سورة يس، الآية 39

سُورَةُ يسٓ · مكية · الآية 39 من 83

وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلْعُرْجُونِ ٱلْقَدِيمِ

التفسير الميسر

والقمرَ آية في خلقه، قدَّرناه منازل كل ليلة، يبدأ هلالا ضئيلا حتى يكمل قمرًا مستديرًا، ثم يرجع ضئيلا مثل عِذْق النخلة المتقوس في الرقة والانحناء والصفرة؛ لقدمه ويُبْسه.

التفسير الميسر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.

المعنى والتدبر

عوالم قرآنية

في هذه الآية، يدعونا الخالق سبحانه وتعالى إلى التأمل في آية عظيمة من آيات خلقه، تتجلى في رحلة القمر في سمائنا. إنها دعوة للتفكر في "عالم الخلق" الذي يحيط بنا، وكيف أن كل تفاصيله تشهد على قدرة الله وحكمته البالغة.

منازل القمر

يقول تعالى: "وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَٰهُ مَنَازِلَ" (والقمر قدرناه منازل). هنا، يخبرنا الله أنه قدَّر للقمر مسارات ومحطات محددة يسير فيها بانتظام دقيق. فكما يوضح المفسرون، ومنهم المفتي شفيع، فإن "مَنَازِلَ" (`manazil`) هي جمع منزل، وتعني المراحل والمواقع التي يمر بها القمر في سيره. يبدأ القمر هلالاً نحيلاً في أول الشهر، ثم يزداد نوراً وحجماً كل ليلة، حتى يكتمل بدراً منيراً في منتصف الشهر. هذا التقدير المحكم لحركة القمر ليس عشوائياً، بل هو نظام إلهي يُعرف به مرور الشهور، وهو أساس للحساب والتوقيت للبشر في أمور حياتهم وشعائرهم، كما ذكر الإمام ابن كثير وغيره.

عودة كَٱلْعُرْجُونِ ٱلْقَدِيمِ

يستمر وصف رحلة القمر في قوله: "حَتَّىٰ عَادَ كَٱلْعُرْجُونِ ٱلْقَدِيمِ". بعد أن يبلغ القمر أوج كماله بدراً، يبدأ في التناقص والاضمحلال تدريجياً، حتى يعود في آخر الشهر هلالاً دقيقاً ومنحنياً، يشبه "الْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ" (`al-'urjun al-qadeem`). والعرجون هو العِذق، أي عود النخلة الذي تحمل عليه الثمار، إذا أصبح قديماً وجافاً، فإنه ينحني ويصفر ويصبح رقيقاً كالقوس. هذا التشبيه البليغ، كما بيّن البغوي وآخرون، يصور بدقة حال القمر في نهاية دورته، ليظهر رقيقاً متقوساً، يشير إلى نهاية مرحلة وبداية أخرى. لقد لاحظ سيد قطب جمال هذا التشبيه، مبيناً أن الهلال الأخير يختلف عن الهلال الأول؛ فالأخير يدل على الانكماش والتراجع، بينما الأول يرمز إلى النمو والإقبال.

آية من عالم الخلق

هذه الآية الكريمة تأخذنا إلى "عالم الخلق" لتسبر أغوار نظام الكون البديع. إنها تدعونا للتأمل في دقة التقدير الإلهي وعظمته، فدورة القمر المنتظمة، من هلال إلى بدر ثم عودته كـ `al-'urjun al-qadeem`، هي مشهد يتكرر كل شهر، ويدعو كل ناظر إلى التفكر في قدرة الخالق وجمال صنعه. كل مرحلة من مراحل القمر هي علامة واضحة على أن لهذا الكون خالقاً قادراً عليماً، وأن كل شيء فيه يسير بتقدير وتدبير لا يضل ولا ينسى. إن مجرد مراقبة القمر ليلاً كافية لإيقاظ الوعي وتنشيط الفكر في عظمة من أبدع هذا النظام الباهر.

المصادر: Ma'arif al-Quran (Mufti Shafi), al-Baghawi (Maalim al-Tanzil), al-Razi (Mafatih al-Ghayb), Sayyid Qutb (Fi Zilal al-Quran), Ibn Kathir

مرآة دنيوية

معنى الآية الكريمة

تتحدث هذه الآية الكريمة عن القمر، وهو إحدى آيات الله العظيمة في الكون. يخبرنا الله تعالى أنه قدَّر للقمر منازل محددة يسير فيها، فيبدأ صغيراً كالهلال، ثم ينمو ويكبر حتى يصبح بدراً مكتملاً، ثم يبدأ بالضمور والارتجاع حتى يعود هلالاً دقيقاً. هذا الهلال الأخير يشبه في شكله ورقته وانحنائه وصفرته "العرجون القديم" ( `al-'urjoon al-qadeem` )، وهو عذق النخلة اليابس الذي تبقى بعد قطف التمر منه، فيكون رقيقاً ومنحنياً وباهتاً لشدة قدمه وجفافه. هذا التغير المستمر في شكل القمر هو علامة ظاهرة تدل على عظمة الخالق وقدرته الفائقة على التنظيم والتدبير.

مرآة للعمر والزمن

عندما نتأمل في مسيرة القمر هذه، نجد أنها تعكس دورات الحياة والزمن في وجودنا. إن ظهور القمر هلالاً صغيراً ثم اكتماله ثم تضاؤله يشبه مسيرة الإنسان في عمره، من ضعف الطفولة إلى قوة الشباب واكتمال النضج، ثم يبدأ الوهن وضعف الكبر. هذه الدورة المستمرة تذكرنا بأن الدنيا دار عبور، وأن كل شيء فيها له بداية ووسط ونهاية. كما يشير سيد قطب، الهلال في بدايته يبدو زاهياً ممتلئاً بالنمو، بينما الهلال في نهايته يبدو ذابلاً ويوحي بالانكماش والزوال. هذا التباين يدعو الواحد منا ليتفكر في حال نفسه، وأن يستثمر أيام شبابه وقوته قبل أن يأتي عليه "العرجون القديم" من العمر.

دروس في الدقة والنظام

إن تحديد الله لمنازل القمر بهذا القدر من الدقة التي لا تتغير عبر مليارات السنين، كما يذكر تفسير تذكرة القرآن، هو دليل على قدرة الله المتناهية وحكمته البالغة. لا يمكن للشمس أن تدرك القمر، ولا الليل يسبق النهار، فلكل منها فلكه ومداره الخاص الذي يسبح فيه بنظام دقيق لا يختل أبداً. هذا النظام الكوني البديع يدعونا للتفكير في أهمية النظام والدقة في حياتنا وأعمالنا. عندما نرى هذا التنظيم الكوني، تتضح لنا عظمة الخالق في أذهاننا، فتتضاءل أمامها كل العظائم الأخرى وتصبح رؤيتنا للدنيا والآخرة أكثر وضوحاً.

دعوة للتأمل والامتنان

الآية تدعو كل من يراقب القمر باستمرار إلى التأمل العميق في صنع الله. هذه الظاهرة ليست مجرد حدث فلكي، بل هي حكمة بالغة ومظهر من مظاهر عظمة الله التي توقظ القلوب والعقول. إنها تعلمنا أن نكون ممتنين وشاكرين لله على النعم التي سخرها لنا، وأن ندرك أن هذه الآيات الكونية الكبرى هي براهين على قدرة الله على البعث وإحياء الموتى، كما يوضح التفسير المنير. فالقمر بمراحله المتغيرة يذكرنا بأن الله قادر على كل شيء، وأن دورة الحياة والموت في الكون هي جزء من تصميمه المحكم.

Source: al-Muyassar, Israr Ahmad (Bayan ul Quran), Sayyid Qutb (Fi Zilal al-Quran), Tazkirul Quran, Ibn al-Jawzi (Zad al-Masir), al-Munir (Wahba al-Zuhayli)

المصادر: Israr Ahmad (Bayan ul Quran), Sayyid Qutb (Fi Zilal al-Quran), Tazkirul Quran, Ibn al-Jawzi (Zad al-Masir), al-Munir (Wahba al-Zuhayli)

حكمة

في قوله تعالى: وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلْعُرْجُونِ ٱلْقَدِيمِ, يخاطبنا الله عز وجل بآية كونية عظيمة، وهي حركة القمر الدقيقة، لنتدبر في عظيم خلقه وتدبيره. المتحدث هنا هو الله سبحانه وتعالى، ويأتي السياق في معرض بيان آيات قدرته في الكون، ليدعو الناس إلى التوحيد والشكر.

إبداع النظام الكوني

تصف الآية الكريمة أن الله تعالى قدَّر للقمر "منازل" (manazil)، وهي المراحل والمدارات التي يسلكها القمر كل ليلة في سيره حول الأرض. هذه المنازل ليست عشوائية، بل هي مقدرة بدقة متناهية، كما يشير الإمام الشافعي في "معارف القرآن". فكل ليلة ينزل القمر في منزلة معينة، بادئاً هلالاً دقيقاً ثم ينمو نورُه وحجمُه تدريجياً حتى يصبح بدراً مكتملاً. هذا النظام الدقيق يُظهر عظمة الخالق الذي لا يترك شيئاً للصدفة، بل كل شيء بمقدار وعلم.

حكمة الدورة والتغير

ثم تصف الآية حال القمر في نهاية الشهر بقوله: "حَتَّىٰ عَادَ كَٱلْعُرْجُونِ ٱلْقَدِيمِ". و"العرجون" (`urjun`) هو عذق النخلة اليابس القديم، الذي يصبح رقيقاً ومنحنياً وأصفر اللون من طول الزمان، كما وضح الإمام القرطبي. هذا التشبيه البليغ يصور حال القمر وهو يتقلص ويصبح هلالاً دقيقاً ضئيلاً قبل أن يختفي تماماً ليعود ظهوره من جديد. الإمام السعدي يلفت الانتباه إلى أن القمر بعد هذه المرحلة من الضآلة "ما زال يزيد شيئا فشيئا، حتى يتم نوره ويتسق ضياؤه". هنا تكمن حكمة عظيمة: أن كل شيء في الوجود يمر بدورات من الكمال والنقصان، ثم يعود إلى التجدد والنمو.

دروس للحياة

يمكننا استخلاص دروس عامة من هذه الآية الكريمة. إن الدورة المستمرة للقمر، من النقصان إلى الكمال ثم إلى النقصان مرة أخرى، تحمل لنا تذكيراً بأن الحياة نفسها عبارة عن مراحل متغيرة. فكما أن القمر يعود وينمو نوره بعد الضآلة، كذلك أيامنا لا تبقى على حالها. قد نمر بلحظات من الضعف أو التحديات، فتبدو حياتنا "عرجوناً قديماً"، رقيقة ومنحنية. ولكن هذه الآية تعلمنا أن هناك دائماً أملاً في التجدد والعودة إلى القوة والنور، لأن هذا هو تقدير العزيز العليم.

هذه الدقة في تقدير المنازل ودورة القمر المستمرة تعلمنا أيضاً قيمة الصبر والثبات، وأن نرى في كل نهاية بداية جديدة. إنها دعوة للتأمل في سنن الله في الكون وتطبيقها على أحوالنا، فإذا قدر الله للقمر منازله بهذه الدقة، فكل أمر في حياتنا هو بتقدير منه وحكمة بالغة.

المصادر: Ma'arif al-Quran (Mufti Shafi), al-Saadi (Taysir al-Karim), al-Qurtubi (al-Jami li-Ahkam), Ibn al-Jawzi (Zad al-Masir), al-Munir (Wahba al-Zuhayli)

الموضوعات التي تتناول هذه الآية

تتناول هذه الآيةَ 8 من أدلة الدراسة الموضوعية في Maani (الأدلة باللغة الإنجليزية).

تصفح جميع الموضوعات القرآنية

تدبّر هذه الآية

تدبّر هذه الآية في Maani من خلال خمس عدسات: اختيار الألفاظ، والسياق، ومعناها في حياتك، وصلتها بآيات القرآن الأخرى، ودروسها، استنادًا إلى كتب التفسير المعتمدة.

تدبّر هذه الآية مع Maani