سورة يس، الآية 38

سُورَةُ يسٓ · مكية · الآية 38 من 83

وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّۢ لَّهَا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ

التفسير الميسر

وآية لهم الشمس تجري لمستقر لها، قدَّره الله لها لا تتعداه ولا تقصر عنه، ذلك تقدير العزيز الذي لا يغالَب، العليم الذي لا يغيب عن علمه شيء.

التفسير الميسر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.

المعنى والتدبر

العدسة اللغوية

إنَّ التأمل في كلمات القرآن الكريم هو رحلة للقلب قبل العقل. في هذه الآية، يدعونا ربنا جل جلاله لننظر إلى الشمس، هذه الآية الكونية العظيمة، وكيف تسير بأمر الله.

دلالة جريان الشمس

يقول الله تعالى: ﴿وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّۢ لَّهَا﴾. هذه الواو في "والشمس" تربطها بما قبلها من آيات الليل والنهار، لتكون هي الأخرى آية عظيمة على قدرة الخالق وعلمه. كلمة "تَجْرِى" (تجري) تعني السير السريع، ولكنها هنا تُستخدم لوصف حركة الشمس العظيمة في الفضاء. الإمام ابن عاشور يشير إلى أن هذا الجريان هو تفصيل بديع لنظام الكون، بينما يرى الإمام الرازي أنه يذكرنا بنعمة النهار الذي يعود بعد الليل بفضل حركة الشمس. هذا التعبير يثير فينا الشعور بالانتظام والديمومة في هذا الجريان العظيم.

سرّ "لمستقرّ لها"

أما قوله تعالى: ﴿لِمُسْتَقَرٍّۢ لَّهَا﴾، فيحمل دلالات عميقة. كلمة "مُسْتَقَرٍّ" (مستقر) تعني مكان الاستقرار أو زمانه. اللام في "لمستقرّ" يمكن أن تكون لام التعليل، أي تجري الشمس *لأجل* أن تستقر وتنتهي رحلتها، كما ينتهي المسافر إلى غايته. وقد تكون بمعنى "إلى"، أي تجري *إلى* مستقرها. يوضح الإمام ابن عاشور أن التعبير بـ "مستقرّ" نكرة (غير معرفة) دون إضافة، يدل على تعظيم هذا المستقر وأهميته. هذا المستقر يمكن أن يكون غروبها اليومي، أو نهايتها عند قيام الساعة، أو حتى دورة عام كامل لها، كما يرى الإمام الرازي، الذي يرجح أن المراد بالمستقر هو المكان، ليشمل أقصى ارتفاعها وانخفاضها ومشارقها ومغاربها ودورتها السنوية، مما يدل على نظام دقيق ومحكم. وفي كل ذلك، لا تتجاوز الشمس حدودها ولا تُقصِّر عنها.

تقدير العزيز العليم

يُختتم الوصف بقوله: ﴿ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾. كلمة "ذَٰلِكَ" (ذلك) تشير إلى كل هذا النظام الكوني البديع، من جريان الشمس إلى استقرارها. وهذا كله "تَقْدِيرُ" (تقدير)، أي تدبير وإحكام وتخطيط بالغ الدقة، ليس له مصدر إلا "ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ". اسم الله "ٱلْعَزِيزِ" (العزيز) يعني الذي لا يغالب، صاحب القدرة المطلقة الذي أخضع هذا الكوكب العظيم لأمره. و"ٱلْعَلِيمِ" (العليم) يعني واسع العلم، الذي أحاط علمه بكل شيء، والذي أتقن هذا النظام البديع بعلمه اللامحدود. يربط الإمام الرازي بين اسم "العزيز" بقدرة الله على تسييرها على الوجه الأنفع، وبين اسم "العليم" بمعرفته سبحانه بهذا الوجه الأنفع. فكل حركة وتوقف ودورة للشمس هي بمشيئة وقدرة وعلم الله تعالى، مما يجعلنا نشعر بعظمة الخالق وكماله.

Source: al-Muyassar, al-Zamakhshari, Ibn Ashur, al-Razi, al-Jalalayn, al-Jadwal fi I'rab al-Quran

المصادر: al-Zamakhshari (al-Kashshaf), Ibn Ashur (al-Tahrir wa al-Tanwir), al-Razi (Mafatih al-Ghayb), al-Jalalayn, al-Jadwal fi I'rab al-Quran (Mahmud Safi)

مرآة دنيوية

في قلب سورة يس، التي وُصفت بأنها قلب القرآن، تأتي آية تتأمل في عظمة الشمس ودورانها، داعيةً كل نفس إلى تدبر دقيق. يقول تعالى: `وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّۢ لَّهَا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ` (يس: 38).

معنى الآية

تخاطب الآية الكريمة، ضمن سلسلة من آيات الله في الكون، الناس الذين يبحثون عن دلائل وجود الله وقدرته ووحدانيته. المتكلم هو الله عز وجل، ويدور السياق حول عرض مشاهد كونية مذهلة كعلامات ودلالات.

تشير الآية إلى أن `الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّۢ لَّهَا`، أي أن الشمس تسير في مسار محدد وثابت، لا تتعداه ولا تقصر عنه. وقد اختلف المفسرون في معنى `مُسْتَقَرٍّۢ لَّهَا`، فمنهم من رأى أنه مكان قرارها تحت العرش، ومنهم من رأى أنه وقت محدد يوم القيامة تنتهي إليه حركتها، وبعضهم أشار إلى أنه مدارها الثابت في الفضاء. كل هذه الأقوال تجمع على معنى واحد: هو النظام الدقيق الذي لا يتغير. ويُختتم الوصف بـ `ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ`، أي أن هذا النظام المحكم هو تقدير من الله `العزيز` الذي لا يُغالب في ملكه، `العليم` الذي أحاط علمه بكل شيء.

مرآة للعالم

هذه الآية، بنظامها الكوني المحكم، تقدم مرآة ثلاثية الأبعاد لحياتنا:

النفس والقلب

تتحدى الآية قلوبنا بمدى استشعارنا لعظمة الله. إذا كانت الشمس، وهي جرم عظيم يُقدّر حجمه بملايين أضعاف الأرض، تسير بانضباط لا يتزعزع بأمر من `العزيز العليم`، فما بالنا نحن البشر الضعفاء؟ يدعونا هذا التأمل إلى التواضع المطلق أمام عظمة الخالق، وإلى إعادة تقييم ما نظنه عظيماً في حياتنا. يذكر كتاب "تذكير القرآن" أن هذه المراقبة لقدرة الله يجب أن تملأ ذهن الإنسان بعظمة الله بحيث "تتلاشى كل عظائم الدنيا" أمامها، وتغرس فينا الشعور بالامتنان والمسؤولية.

المجتمع والأمة

النظام الكوني الذي تديره يد `العزيز العليم` بلا أدنى خلل، يعكس حاجة المجتمعات والأمم إلى نظام مستمد من الحق. إذا كانت الأجرام السماوية لا تتجاوز حدودها ولا تسبق بعضها، فماذا عن مجتمعات البشر؟ إن أي محاولة لإقامة نظام بشري يتجاوز تقدير `العزيز العليم` أو يتجاهل علمه، محكوم عليها بالاضطراب والانهيار. هذه الآية تذكر الأمة الإسلامية والعالم بأسره بأن الاستقامة على منهج الله هو السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار والعدل، تماماً كما يستقر الكون بنظام الله الذي لا يتبدل.

الدروس الروحية

هذه الآية ليست مجرد معلومة فلكية، بل هي دعوة عميقة إلى `التدبر` في قدرة الله المطلقة وعلمه الشامل. إن استمرار هذا النظام الدقيق لملايين السنين دون خلل، يؤكد أن الخالق هو وحده المستحق للعبادة والشكر. كما أنها دليل قاطع على قدرته تعالى على البعث، فمن أحيا الأرض الميتة ويسير هذا الكون بنظام لا يختل، قادر على إحياء الموتى.

Source: al-Muyassar, Israr Ahmad (Bayan ul Quran), Sayyid Qutb (Fi Zilal al-Quran), Tazkirul Quran, Ibn al-Jawzi (Zad al-Masir), al-Munir (Wahba al-Zuhayli)

المصادر: Israr Ahmad (Bayan ul Quran), Sayyid Qutb (Fi Zilal al-Quran), Tazkirul Quran, Ibn al-Jawzi (Zad al-Masir), al-Munir (Wahba al-Zuhayli)

حكمة

تأمل في جريان الشمس

دعونا نتوقف لحظة عند هذه الآية العظيمة، ونتأمل في هذه الشمس التي نراها كل يوم. إنها جزء لا يتجزأ من حياتنا، لكن هل فكرنا يوماً في معناها العميق كآية من آيات الله؟ تخبرنا الآية أن الشمس `وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّۢ لَّهَا` (والشمس تجري لمستقر لها)، أي أنها تتحرك بلا توقف نحو غاية أو مكان أو زمان محدد لها. هذا الجريان ليس عشوائياً، بل هو جزء من نظام دقيق مُحكم خاضع لأمر خالقها.

معنى "لمستقر لها"

كلمة `مُسْتَقَرّ` (`mustaqarr`) تحمل معنيين رئيسيين، وكلاهما يفتح لنا آفاقاً للتفكر. المعنى الأول، كما ذكر بعض العلماء مثل قتادة ومفتي شفيع في "معارف القرآن"، هو أن `مُسْتَقَرّ` يشير إلى نهاية زمنية لهذا الجريان، وهي يوم القيامة. فكل شيء في هذا الكون له أجل مسمى، بما في ذلك الشمس. هذه الحركة المنتظمة والدقيقة منذ آلاف السنين ستتوقف عند أجلها المسمى، وهو تذكير لنا بأن دنيانا وكل ما فيها فانية، وأن هناك غاية وموعداً لكل شيء.

المعنى الثاني، الذي ذكره علماء آخرون كالإمام القرطبي ومفتي شفيع، هو أن `مُسْتَقَرّ` يشير إلى نهاية مكانية، أو نقطة في مدارها تعود إليها، أو تحت العرش كما جاء في بعض الأحاديث النبوية. وقد وضح مفتي شفيع أن هذه الأحاديث تشير إلى تسبيح الشمس وسجودها تحت العرش، وهو تعبير عن خضوعها التام لأمر الله وإذعانها لإذنه في كل حركة، وليس سجوداً بالمعنى البشري. فكل مخلوق يسبح الله بطريقته الخاصة التي يعلمها الله. الشمس لا تتوقف لحظة، بل هي في خضوع دائم لله في كل حركاتها اليومية والدورية، حتى يأتي يوم القيامة فتأمر بالرجوع من مغربها.

تقدير العزيز العليم

تختم الآية بقوله تعالى: `ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ` (ذلك تقدير العزيز العليم). هذه العبارة توضح المصدر والمتحكم في هذا النظام البديع. إنه `ٱلْعَزِيزِ` (`al-Azeez`)، أي صاحب القوة التي لا تُقهر، الذي أقام هذا الكون بهذا التدبير المحكم، و `ٱلْعَلِيمِ` (`al-Aleem`)، أي العليم بكل شيء، الذي أتقن هذا النظام ليخدم مصالح العباد في دينهم ودنياهم، كما ذكر السعدي في "تيسير الكريم الرحمن". كل حركة للشمس، وكل دورة للنهار والليل، هي دليل على علمه المطلق وقدرته الفائقة.

دروسٌ لنا

هذه الآية تعلمنا دروساً عظيمة. أولاً، إنها دعوة للتأمل في عظمة الخالق وإتقانه في صنعه. إن دقة نظام الشمس، التي لا تتعدى ولا تقصر عن مسارها، تذكرنا بأن هذا الكون يسير وفق خطة إلهية محكمة، لا مجال فيها للعشوائية. ثانياً، تذكرنا بأن كل شيء له نهاية، وأن حركة الشمس نحو `مُسْتَقَرِّهَا` هي رمز لأجلنا المحتوم. هذا يدفعنا إلى استغلال وقتنا فيما يرضي الله قبل فوات الأوان. ثالثاً، إن خضوع الشمس لأمر ربها يجب أن يكون دافعاً لنا للخضوع لأوامره، والامتنان على نعمه التي نعيش بها بفضل هذا النظام السماوي الدقيق. فكل يوم جديد هو هبة من الله تستدعي الشكر والعبادة.

Source: al-Qurtubi, Ma'arif al-Quran (Mufti Shafi), al-Saadi, Ibn al-Jawzi, al-Munir (Wahba al-Zuhayli)

المصادر: al-Qurtubi (al-Jami li-Ahkam), Ma'arif al-Quran (Mufti Shafi), al-Saadi (Taysir al-Karim), Ibn al-Jawzi (Zad al-Masir), al-Munir (Wahba al-Zuhayli)

الموضوعات التي تتناول هذه الآية

تتناول هذه الآيةَ 7 من أدلة الدراسة الموضوعية في Maani (الأدلة باللغة الإنجليزية).

تصفح جميع الموضوعات القرآنية

تدبّر هذه الآية

تدبّر هذه الآية في Maani من خلال خمس عدسات: اختيار الألفاظ، والسياق، ومعناها في حياتك، وصلتها بآيات القرآن الأخرى، ودروسها، استنادًا إلى كتب التفسير المعتمدة.

تدبّر هذه الآية مع Maani