سورة يس، الآية 65

سُورَةُ يسٓ · مكية · الآية 65 من 83

ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰٓ أَفْوَٰهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ

التفسير الميسر

اليوم نطبع على أفواه المشركين فلا ينطقون، وتُكلِّمنا أيديهم بما بطشت به، وتشهد أرجلهم بما سعت إليه في الدنيا، وكسبت من الآثام.

التفسير الميسر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.

المعنى والتدبر

عوالم قرآنية

تأمل هذه الآية الكريمة يأخذنا إلى مشهد مهيب من يوم القيامة، حيث تتجلى عدالة الله تعالى المطلقة بطريقة لا تدع مجالاً للإنكار.

المشهد الأعظم

في هذا اليوم العظيم، يتغير مجرى الأمور تمامًا عما كانت عليه في الدنيا. يصف الله سبحانه وتعالى حال الكافرين والمنافقين (كما ذكر ابن كثير في تفسيره) حين يحاولون إنكار ما اقترفوه من ذنوب وأخطاء. هنا يأتي التعبير القرآني القوي: "ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰٓ أَفْوَٰهِهِمْ". هذا يعني أن الله سيغلق على أفواههم ويجعلها صامتة، فلا يستطيعون النطق بكلمة، وهو ما يفسر الشيخ المفتي شفيع بكونه منعًا لهم من التكلم بإرادتهم أو اختلاق الأعذار الكاذبة، خصوصًا بعد أن كانوا قد حلفوا على أنهم لم يكونوا من المشركين.

شهادة الجوارح

وبعد أن يُختم على الأفواه، تحدث مفاجأة عظيمة تزيد المشهد هيبةً ورهبة: "وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ". فالأيدي التي كانت تعمل وتفعل، والأرجل التي كانت تسعى وتمشي، ستُمنح القدرة على النطق لتشهد بنفسها على كل ما فعلته في الدنيا من خير وشر. يوضح الإمام الرازي أن الأيدي تُسند إليها "الكلام" لأنها آلة الأفعال، بينما تُسند إلى الأرجل "الشهادة" لأنها آلة السعي والذهاب. هذه الشهادة لا يمكن دحضها، لأنها تأتي من أعضاء الجسد نفسها، بعد أن يأذن الله لها بالكلام، كدليل قاطع على ما فعله الإنسان.

عالم الحساب

هذه الآية ترسم لنا مشهدًا من "عالم الحساب" الذي ينتظر كل إنسان. إنها رسالة حاسمة وواضحة، تُظهر كيف أن كل فعل أو قول، وكل خطوة أو سعي، مسجل ومحفوظ، وسيُعرض أمام الله تعالى في يوم لا ينفع فيه الكذب ولا التملص. لقد روى الإمام مسلم في صحيحه، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحك مرة، وسأل الصحابة عن سبب ضحكه، فقال: "من مجادلة العبد ربه يوم القيامة"، حيث يحاول العبد الإنكار، فيُختم على فمه وتُنطق جوارحه فتشهد عليه، فيقول العبد بعد ذلك لأعضائه: "بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا فعنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ" (كما ورد في البغوي وابن كثير). هذا يجسد لنا الصراع الداخلي للإنسان وحقيقة مواجهته لأعماله من خلال جسده نفسه.

رسالة لنا

إن هذا المشهد المهيب هو تذكرة لنا في "عالم الوحي" الذي نعيش فيه الآن. إنه يحثنا على التأمل العميق في كل ما نصدره من أفعال وأقوال. قبل أن يأتي اليوم الذي تُختم فيه الأفواه وتتكلم الجوارح، لدينا الآن فرصة عظيمة لمراجعة أنفسنا، وتصحيح مسارنا، والتوبة من ذنوبنا، والإكثار من الصالحات. فكل عضو من أعضائنا، وكل حاسة من حواسنا، هي أمانة وستكون شاهدة لنا أو علينا. فلنجعلها تشهد لنا بالخير والطاعة، لتكون عونًا لنا في ذلك اليوم الذي لا ينطق فيه إلا الحق.

المصادر: Ma'arif al-Quran (Mufti Shafi), al-Baghawi (Maalim al-Tanzil), al-Razi (Mafatih al-Ghayb), Sayyid Qutb (Fi Zilal al-Quran), Ibn Kathir

الموضوعات التي تتناول هذه الآية

تتناول هذه الآيةَ 9 من أدلة الدراسة الموضوعية في Maani (الأدلة باللغة الإنجليزية).

تصفح جميع الموضوعات القرآنية

تدبّر هذه الآية

تدبّر هذه الآية في Maani من خلال خمس عدسات: اختيار الألفاظ، والسياق، ومعناها في حياتك، وصلتها بآيات القرآن الأخرى، ودروسها، استنادًا إلى كتب التفسير المعتمدة.

تدبّر هذه الآية مع Maani