سورة يس، الآية 66
سُورَةُ يسٓ · مكية · الآية 66 من 83
وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰٓ أَعْيُنِهِمْ فَٱسْتَبَقُوا۟ ٱلصِّرَٰطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ
التفسير الميسر
ولو نشاء لطمسنا على أعينهم بأن نُذْهب أبصارهم، كما ختمنا على أفواههم، فبادَروا إلى الصراط ليجوزوه، فكيف يتحقق لهم ذلك وقد طُمِست أبصارهم؟
التفسير الميسر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.
المعنى والتدبر
العدسة اللغوية
إنَّ التأمل في كلمات القرآن الكريم هو رحلة إلى أعماق المعنى، وفهمٍ لمراد خالقنا سبحانه. في الآية السادسة والستين من سورة يس، يخاطبنا الله بأسلوب قوي، يكشف لنا عن بعض من عظيم قدرته وحكمته.
حكمة الله في الاختيار
تأتي الآية الكريمة: "وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰٓ أَعْيُنِهِمْ فَٱسْتَبَقُوا۟ ٱلصِّرَٰطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ" بعد الحديث عن حال المشركين يوم القيامة. ولكن، كما يشير ابن عاشور، هذه الآية تخاطب المؤمنين لتبصرهم وترشدهم. إن كلمة "لَوْ" (لو) هي أداة شرط تفيد امتناع الجواب لامتناع الشرط، أي أنَّ الله سبحانه يخبرنا بما كان يمكن أن يفعله، ولكنه لم يشأ أن يفعله في الدنيا لحكمة بالغة. فلو شاء الله لألجأ الكافرين إلى الإيمان بقوة قاهرة في الدنيا، ولكنه ترك الأمر على سنن الأسباب ليُميَّز الخبيث من الطيب وتتحقق حكمة الابتلاء.
قوة الطمس وعمقه
ثم تأتي كلمة "لَطَمَسْنَا عَلَىٰٓ أَعْيُنِهِمْ". كلمة "الطمس" (`ṭams`) تعني إزالة أثر الشيء ومحو معالمه بالكلية. فليس المراد هنا مجرد العمى، بل إزالة كاملة لعلامات العين وخصائصها، بحيث لا يبقى لها أثر أو وظيفة، كما ذكر ابن عاشور. وتأتي كلمة "عَلَىٰٓ" (على) بعد "طمسنا" لتدل على الاستعلاء والتمكن الشديد للطمس، فكأن الطمس يقع على العين ويحيط بها ويستولي عليها بالكامل، مؤكداً شدة هذا الفعل وكماله. يشير الإمام الرازي إلى أن هذا الطمس الحسي للأبصار هو نظير للطمس المعنوي للبصائر، فالله القادر على سلب البصر الخارجي هو كذلك القادر على سلب البصيرة الداخلية.
عبث السعي بلا بصيرة
بعد الطمس، يقول تعالى: "فَٱسْتَبَقُوا۟ ٱلصِّرَٰطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ". حرف "الفاء" هنا يدل على التعقيب والسرعة، فبمجرد الطمس، يبدأ هؤلاء المشركون في "الاستباق" (`istibāq`). هذه الكلمة من صيغة "الافتعال" (`ifta'āl`)، والتي تدل على التكلف والاجتهاد والمبادرة والمسارعة، وكأنهم يتسابقون بجهد شديد للوصول إلى "الصراط" (`al-ṣirāṭ`)، أي الطريق. وذكر الإعرابيون وابن عاشور أن "الصراط" جاء منصوباً هنا كأن حرف "إلى" (إلى) قد حذف، ليدل على تسارعهم نحو الطريق بشدة. لكن هذا السعي الحثيث، وهذا التسابق، يصبح عبثاً لا طائل من ورائه. فكيف لهم أن يبصروا الطريق أو يهتدوا إليه وعيونهم قد طُمست بالكامل؟ سؤال "فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ" (فكيف يبصرون) هو استفهام إنكاري، أي لا يمكن لهم أن يبصروا، تأكيداً على استحالة الرؤية بعد الطمس، وعلى عبث سعيهم في تلك الحال.
إن هذه الكلمات، بتراكيبها ومعانيها العميقة، تذكرنا بقوة الله المطلقة، وبحكمته في تدبير الأمور في الدنيا والآخرة، وتنبهنا إلى أهمية البصر، ليس فقط البصر الحسي بل وبصيرة القلب، التي هي أساس الهداية إلى الصراط المستقيم.
Source: Ibn Ashur, al-Jalalayn, al-Razi, al-Jadwal fi I'rab al-Quran
المصادر: al-Zamakhshari (al-Kashshaf), Ibn Ashur (al-Tahrir wa al-Tanwir), al-Razi (Mafatih al-Ghayb), al-Jalalayn, al-Jadwal fi I'rab al-Quran (Mahmud Safi)
حكمة
تأمل هذه الآية الكريمة يدعونا إلى وقفة عميقة مع قدرة الله تعالى وعظيم رحمته.
قدرة الله المطلقة
تخبرنا الآية: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ﴾، أي لو شاء الله لأزال أبصارهم وأفقدهم القدرة على الرؤية تمامًا. كلمة `طمَسْنَا` (طمسنا) تعني إزالة الأثر والمحو، فكأن العين لم يكن لها شقٌّ أصلاً. هذه القدرة العظيمة، كما يوضح الإمام القرطبي وابن الجوزي، يمكن أن تشير إلى إذهاب البصر الحسي، أي إعماء العيون فلا يرون شيئًا. وقد تشير أيضًا إلى إذهاب البصيرة، أي إعماؤهم عن الهدى والحق فلا يتمكنون من رؤيته وتمييزه، حتى لو كانت أبصارهم سليمة.
الهدى والبصيرة
تتلو الآية: ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ﴾. تصور المشهد: لو عَميت أبصارهم، ثم حاولوا الإسراع والمسابقة نحو الطريق، `الصِّرَاطَ` (الصراط) وهو الطريق المألوف أو الطريق المستقيم، فكيف لهم أن يروا هذا الطريق أو يهتدوا إليه؟ السؤال `فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ` (فأنى يبصرون) هو استفهام إنكاري، يؤكد استحالة الرؤية أو الهداية بعد إزالة نعمة البصر. سواء كان هذا على أرض الدنيا، حيث يصبح التنقل مستحيلاً، أو على صراط الآخرة، كما ذكر بعض العلماء، حيث لا يرى المجرمون طريق النجاة.
درسٌ لحياتنا
هذه الآية تحمل دروسًا عظيمة لنا اليوم:
1. هشاشة النعم: تذكرنا الآية بأن حاسة البصر، التي نأخذها غالبًا كأمر مسلم به، هي نعمة هشة تمامًا بيد الله. في أي لحظة، وبإرادته سبحانه، يمكن أن تُسلب منا. هذا يستدعي منا الشكر الدائم والاعتراف بعظمة الخالق.
2. أهمية البصيرة: أعمى البصر لا يرى طريقه، ولكن الأشد منه عمى البصيرة، فمن عَميت بصيرته عن الحق والهدى لن ينتفع ببصره الحسي. الآية دعوة لنا لنسأل الله دائمًا أن ينير بصائرنا، وأن نستخدم أعيننا لا فقط لرؤية الدنيا، بل لرؤية آيات الله في الكون وفي كتابه.
3. فرصة وهداية: يذكر الإمام الزمخشري أن الله تعالى لم يفعل ذلك بنا رحمة منه، فهو لم يعاجلنا بالعقوبة، بل أعطانا الفرصة والوقت لننظر ونتفكر ونهتدي. هذه الآيرة تحذير للمكذبين، وفي نفس الوقت تذكير لنا بنعمة الإبصار والبصيرة التي نتمتع بها الآن، وهي فرصة لا ينبغي أن نضيعها في الغفلة عن الله وعن طريق `الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ` (الصراط المستقيم). فلنستخدم أعيننا اليوم فيما يرضي الله ويهدينا إلى الحق قبل فوات الأوان.
المصادر: al-Qurtubi (al-Jami li-Ahkam), Ma'arif al-Quran (Mufti Shafi), al-Saadi (Taysir al-Karim), al-Munir (Wahba al-Zuhayli), Ibn al-Jawzi (Zad al-Masir)
الموضوعات التي تتناول هذه الآية
تتناول هذه الآيةَ 2 من أدلة الدراسة الموضوعية في Maani (الأدلة باللغة الإنجليزية).
تدبّر هذه الآية
تدبّر هذه الآية في Maani من خلال خمس عدسات: اختيار الألفاظ، والسياق، ومعناها في حياتك، وصلتها بآيات القرآن الأخرى، ودروسها، استنادًا إلى كتب التفسير المعتمدة.