سورة يس، الآية 37

سُورَةُ يسٓ · مكية · الآية 37 من 83

وَءَايَةٌۭ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ

التفسير الميسر

وعلامة لهم دالة على توحيد الله وكمال قدرته: هذا الليل ننزع منه النهار، فإذا الناس مظلمون.

التفسير الميسر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.

المعنى والتدبر

العدسة اللغوية

يا لها من دعوة للتأمل العميق! في هذه الآية الكريمة من سورة يس، يقدم لنا ربنا سبحانه وتعالى مشهدًا بديعًا، آيةً عظيمةً لنا جميعًا، تحمل دلالات لا تنتهي على قدرته ووحدانيته.

علامة واضحة

تفتتح الآية بقوله تعالى: ﴿وَءَايَةٌۭ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ﴾. هنا، يخاطب الله تعالى الناس، ويشير إلى الليل نفسه كعلامة واضحة ودليل بيّن على قدرته العظيمة. كلمة "آية" (اية) في القرآن تعني العلامة أو المعجزة أو الدليل الذي يقودنا إلى معرفة الخالق.

معنى "نسلخ"

ثم تأتي الكلمة المحورية التي تحمل بلاغة مذهلة: ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ﴾. الفعل "نسلخ" (naslakh) كلمة قوية ومفعمة بالصورة الحسية. يذكر الإمام الزمخشري في "الكشاف" أن السلخ أصلاً هو كشط الجلد عن الشاة وإزالته، وكذلك الحية عندما تنسلخ من جلدها.

هنا، يستعير القرآن هذا الفعل ليصف كيفية إزالة ضوء النهار. كأن النهار غشاء يغطي الليل، والله سبحانه وتعالى ينزعه ويفصله عن الليل. وكما يوضح ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، يُشبّه النهار هنا بجلد الشاة أو ما شابهها الذي يغطي ما تحته، في حين أن الليل بمثابة الجسم الذي أزيل عنه جلده. وهذا يشير إلى أن الظلمة هي الحالة الأصلية للكون قبل وجود النور، والنهار ما هو إلا غطاء مؤقت يزول ليكشف عن الأصل.

مفاجأة الظلام

ويلي ذلك الفاء الفجائية: ﴿فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ﴾. "إذا" (idha) هنا ليست مجرد رابط، بل تفيد المفاجأة والانتقال السريع، كما يبيّن الإمام الرازي في "مفاتيح الغيب" وغيره. لا يوجد تدرج بطيء لا نهائي، بل بمجرد أن يُسلخ النهار، يجد الناس أنفسهم فجأة وقد دخلوا في الظلام.

وكلمة "مظلمون" (muẓlimūn) هي اسم فاعل من الفعل "أظلم"، وتعني "داخلون في الظلام". إنها تصف حال الناس بأنهم قد أصبحوا في ظلام دامس، مما يؤكد أن هذا التحول ليس مجرد غياب للنور، بل هو دخول شامل في عالم الظلمة.

إن هذا الاختيار الدقيق للكلمات يرسم لنا صورة حية وعميقة لقدرة الله تعالى في تسيير الكون، وكيف يتغير الزمان من نور ساطع إلى ظلام مطبق، كل ذلك بقدرة بالغة وحكمة بالغة.

Source: al-Jadwal fi I'rab al-Quran (Mahmud Safi), al-Zamakhshari (al-Kashshaf), al-Razi (Mafatih al-Ghayb), Ibn Ashur (al-Tahrir wa al-Tanwir), al-Jalalayn.

المصادر: al-Jadwal fi I'rab al-Quran (Mahmud Safi), al-Zamakhshari (al-Kashshaf), al-Razi (Mafatih al-Ghayb), Ibn Ashur (al-Tahrir wa al-Tanwir), al-Jalalayn

مرآة دنيوية

آية لكل يوم

تُطلعنا الآية الكريمة، `وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ` (الصافات: 36)، على إحدى آيات الله العظيمة في الكون، وهي ظاهرة الليل والنهار التي تتكرر أمام أعيننا كل يوم. يوجه الله تعالى الخطاب إلينا جميعًا، ليحثّنا على التفكر في هذه العلامة الكونية الدالة على وحدانيته وكمال قدرته. إنها ليست مجرد وصف طبيعي، بل دعوة للتأمل العميق فيما يعنيه هذا النظام لنا كأفراد وكمجتمعات.

فهم المعنى الظاهر

كلمة `آيَةٌ` تعني علامة أو دليلًا واضحًا على قدرة الله على البعث وغيره. والليل هنا هو هذه العلامة الكبرى. أما قوله تعالى `نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ`، فهو تعبير بليغ يصف كيف يزيل الله النهار عن الليل، كما تُسلخ الشاة أو يُنزع الثوب. يشرح الإمام إسرار أحمد هذا بتمثيل بديع، كأن هناك غطاءً لامعًا يُسحب ليكشف عن غطاء أسود تحته. و"السلخ" هنا هو إزالة الضوء ومجيء الظلمة، كما يوضحه الزحيلي. والنتيجة هي `فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ` أي يدخل الناس فجأة وبغتة في الظلام، كما يذكر ابن الجوزي والزحيلي، مما يدل على سرعة وانتقال هذا التحول بأمر الله.

تذكير يومي عظيم

هذا التحول من النهار إلى الليل، الذي نراه يتكرر بدقة متناهية كل أربع وعشرين ساعة (كما يشير سيد قطب)، هو معجزة إلهية تستحق التفكر. إنه ليس مجرد حدث عابر، بل هو نظام محكم لا يختل، دائم منذ ملايين السنين كما يصفه تفسير تذكير القرآن. هذا النظام الدقيق يدعونا إلى التأمل في عظمة الخالق وقدرته التي لا تُحد، ويجب أن يرسخ في قلوبنا أن كل عظمة سوى عظمته تعالى تُمْحى وتَزول.

درس للنفس والمجتمع

لنتأمل هذه الآية من خلال "مرآة الحياة" (Worldly Mirror)؛ على المستوى الشخصي، يُعد دخول الليل فجأة دعوة للراحة والسكون والتأمل بعد عناء النهار، كما بين الزحيلي. إنها فرصة للروح لتتذكر خالقها وتتزود منه. أما على المستوى الاجتماعي والجمعي، فإن تعاقب الليل والنهار بهذا الترتيب الدقيق يضمن استمرارية الحياة البشرية، ويوفر للإنسان وقتاً للعمل والكد في النهار، ووقتاً للنوم والراحة في الليل. هذا التنظيم الكوني أساس استقرار مجتمعاتنا وحضاراتنا. إن التأمل في هذه الآية يعمق فينا الشعور بالامتنان والشكر لله على نعمه التي نراها يوميًا ونعتاد عليها، ويدفعنا إلى توحيده وعبادته، فهو المدبر لكل هذه الأنظمة الكونية البديعة.

المصادر: Israr Ahmad (Bayan ul Quran), Sayyid Qutb (Fi Zilal al-Quran), Ibn al-Jawzi (Zad al-Masir), Tazkirul Quran, al-Munir (Wahba al-Zuhayli)

حكمة

تأمل في الآية الكريمة

تبدأ هذه الآية بقوله تعالى: وَءَايَةٌۭ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ. هنا، يدعونا الخالق سبحانه إلى النظر في الليل كعلامة عظيمة ودليل واضح على وحدانيته وكمال قدرته، وعلى أنه قادر على إحياء الموتى كما يحيي الأرض الميتة التي ذكرها قبل هذه الآية. هذه الآية موجهة لنا جميعاً، لنتدبر في عظمة الخالق من خلال ظواهر كونية نراها كل يوم.

معنى "نسلخ" والدرس المستفاد

الكلمة المحورية هنا هي "نَسْلَخُ" (`naslakh`). هذا التعبير القرآني البليغ يحمل معنى إزالة شيء عن شيء، كما يُسلخ الجلد عن الشاة، أو كأنك تزيل غطاءً. (معارف القرآن، القرطبي). يصور لنا القرآن الكريم كيف يزيل الله الضوء العظيم الذي يغمر الأرض تمامًا في النهار، ليحل محله الظلام فجأة وسرعة، وكأن النهار كان غطاءً يُنزع عن الليل الأصيل. (الساعدي، ابن الجوزي، المنير).
الدرس العام المستفاد هنا هو أن ما نراه مستقرًا ودائمًا، كالنور السائد في النهار، هو في الحقيقة زائل ومؤقت، وأن الأمر كله بيد الله يقلبه كيف يشاء. هذه الظاهرة الكونية تذكرنا بأن الدنيا ببهجتها وزينتها هي غطاء مؤقت، وأن الحقيقة الأصلية قد تكون مختلفة تمامًا، ويكشف عنها الزمان.

تطبيقات في حياتنا

فكر في التغييرات المفاجئة التي تحدث في حياتك. أحيانًا ما نعيش في "نور" مستمر من الرخاء أو الصحة أو الأمان، فننسى أن هناك "ليلاً" يمكن أن ينسلخ فجأة ليحل محل ذلك النور، أو العكس. هذه الآية تعلمنا أن نكون مستعدين لهذه التقلبات، وأن نرى فيها تقدير العزيز العليم. إنها دعوة للتواضع أمام قوة الله، ولعدم الاغترار بأي حال من الأحوال، سواء كانت نعمة أو محنة.
ماذا يطلب هذا منا؟ أن نسأل أنفسنا: هل نرى هذه "الآيات" حولنا كدلائل على عظمة الخالق، أم نعتبرها مجرد ظواهر طبيعية تمر بلا تدبر؟ هل تدفعنا هذه الآية إلى مزيد من الشكر والذكر والتفكر، أم نمر عليها مرور الكرام؟ إنها تذكير بأن كل لحظة من حياتنا، وكل تغيير يطرأ عليها، هو فرصة للتأمل في قدرة الله وحكمته.

الاستجابة الروحية والعملية

تثير هذه الآية في القلب رهبة عميقة وتواضعًا أمام قدرة الله. إنها تعلمنا أن "نهار" حياتنا، بما فيه من يسر ونجاح ونور، يمكن أن يُنزع ليحل محله "الليل"، بما فيه من شدة وتحدٍ وظلام، فجأة، وكذلك العكس. وهذا ينبغي أن يقودنا إلى قلب دائم الرجاء في رحمته سبحانه في ظلمات المحن، والشكر على نعمه في أوقات اليسر. من التطبيقات العملية لهذه الآية، أن نتوقف عند غروب الشمس وشروقها لنتأمل هذا التحول العظيم، وندعو الله تعالى بالثبات والشكر في جميع تقلبات الحياة، مدركين أنه هو سبحانه المدبر لكل أحوالنا.

المصادر: al-Qurtubi (al-Jami li-Ahkam), Ma'arif al-Quran (Mufti Shafi), al-Saadi (Taysir al-Karim), Ibn al-Jawzi (Zad al-Masir), al-Munir (Wahba al-Zuhayli)

الموضوعات التي تتناول هذه الآية

تتناول هذه الآيةَ 5 من أدلة الدراسة الموضوعية في Maani (الأدلة باللغة الإنجليزية).

تصفح جميع الموضوعات القرآنية

تدبّر هذه الآية

تدبّر هذه الآية في Maani من خلال خمس عدسات: اختيار الألفاظ، والسياق، ومعناها في حياتك، وصلتها بآيات القرآن الأخرى، ودروسها، استنادًا إلى كتب التفسير المعتمدة.

تدبّر هذه الآية مع Maani