سورة يس، الآية 46
سُورَةُ يسٓ · مكية · الآية 46 من 83
وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍۢ مِّنْ ءَايَٰتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ
التفسير الميسر
وما تجيء هؤلاء المشركين من علامة واضحة من عند ربهم؛ لتهديهم للحق، وتبيِّن لهم صدق الرسول، إلا أعرضوا عنها، ولم ينتفعوا بها.
التفسير الميسر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.
المعنى والتدبر
العدسة اللغوية
في سورة يس، يأتي قول الله تعالى: "وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍۢ مِّنْ ءَايَٰتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ" (الآية 46) ليصف حال هؤلاء المشركين الذين يُخاطبون في السورة. يتحدث الله سبحانه هنا عن موقفهم الثابت من العلامات والبراهين التي تُقدم لهم، سواء كانت آيات قرآنية أو معجزات كونية.
وضوح الخطاب
الآية واضحة في تحديد مَن تتحدث عنهم: هم هؤلاء المشركون الذين يأتيهم الخطاب، ومَن يتكلم: هو الله تعالى، بلهجة توبيخ وإنذار لموقفهم الرافض. هي ليست مجرد ملاحظة، بل وصفٌ لحالهم الدائم.
دقة اللفظ
يُبرز التركيب اللغوي للآية عِظَم هذا الإعراض. فقوله تعالى "وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ" (wa mā ta'tīhim min āyatin) فيه استخدام "مِن" الزائدة، وهي تفيد الاستغراق والتوكيد، أي: لا تأتيهم *أي* آية على الإطلاق، ولا حتى آية واحدة، إلاّ وكان لهم هذا الموقف. هذا التركيز يؤكد على أن رفضهم ليس جزئياً لبعض العلامات، بل هو رفض شامل لكل ما يُعرض عليهم.
معنى "آيات ربهم"
إن وصف العلامات بأنها "مِّنْ ءَايَٰتِ رَبِّهِمْ" (min āyāti rabbihim) ليس عبثاً. يشير الإمام ابن عاشور إلى أن هذا التعبير يزيد من شناعة فعلهم. فليست هذه آيات من أحد عادي، بل هي آيات ربهم، الذي خلقهم ورزقهم. الإعراض عنها هو كفر بنعمة الخلق نفسه، وتكذيب بمن يملك أمرهم. هذا الوصف يرفع من شأن الآيات ويشدد على حجم الذنب في الإعراض عنها.
الإعراض الدائم
أما جملة "إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ" (illā kānū `anhā mu`riḍīna)، فهي تُبرز الاستمرارية والرسوخ في موقفهم. استخدم الفعل الماضي "كَانُوا۟" (kānū) مع اسم الفاعل "مُعْرِضِينَ" (mu`riḍīna) ليدل على أن هذا الإعراض ليس طارئاً أو عرضياً، بل هو سجية راسخة وطبع متأصل فيهم، كما يوضح الإمام الزمخشري بأن هذا هو دأبهم. إنهم في حالة دائمة من الإعراض، لا يتفكرون ولا يعتبرون. الإمام الرازي يرى في هذا التركيب دلالة على إهمالهم وعدم التفاتهم للآيات بتاتاً. هذا الإعراض المستمر هو السبب في حرمانهم من الرحمة، كما تشير الآيات السابقة واللاحقة.
كل كلمة في هذه الآية تُشكل لوحة دقيقة لموقف الرافضين للحق، وكأن القرآن يرسم لنا طبيعة هذا الإنكار المستمر أمام كل برهان.
المصادر: al-Zamakhshari (al-Kashshaf), al-Razi (Mafatih al-Ghayb), al-Jalalayn, al-Jadwal fi I'rab al-Quran (Mahmud Safi), Ibn Ashur (al-Tahrir wa al-Tanwir)
حكمة
تدعونا هذه الآية الكريمة، من سورة يس، إلى وقفة تأمل عميقة في سلوك قد يبدو خاصًا بالمشركين الأوائل، لكنه يحمل دروسًا خالدة لنا جميعًا. يخبرنا الله تعالى في هذه الآية عن المشركين، الذين هم المخاطبون الأصليون هنا، أنهم كلما جاءتهم علامة واضحة ودليل بيّن من آيات ربهم، بقصد هدايتهم وتبيين صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنهم يعرضون عنها ولا يستفيدون منها.
آيات واضحة وقلوب معرضة
كلمة "آية" هنا لا تقتصر على آيات القرآن الكريم فحسب، بل تشمل كل علامة ودليل على وجود الله وتوحيده وقدرته البالغة، سواء كانت هذه الآيات في خلق السماوات والأرض، أو في الرسل ومعجزاتهم، أو في التحذيرات من العذاب. وقد أشار السعدي إلى أن إضافة الآيات إلى "ربهم" تدل على كمالها ووضوحها، فهي جزء من تربية الله لعباده وإيصاله ما ينفعهم. أما "معرضين" فتعني متجاهلين ومنصرفين عنها. هذا الإعراض ليس مجرد عدم فهم، بل هو موقف قلبي وعقلي يتمثل في عدم الالتفات والتأمل، كما يذكر الزمخشري، وتعطيل طاقة الفكر والنظر التي ترشد إلى الإيمان.
عمق الإعراض
ما تكشفه هذه الآية، والآيات التي تليها، هو أن هذا الإعراض لم يكن مقتصرًا على مسائل العقيدة الكبرى فحسب. فعندما دُعي المشركون إلى التصدق والإنفاق على الفقراء مما رزقهم الله، استهزأوا وقالوا للمؤمنين: "أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ؟" (الآية 47). يوضح لنا معارف القرآن (مفتي شفيع) والمنير (وهبة الزحيلي) أن هذا كان اعتراضًا باطلًا ونوعًا من السخرية. فهم لم يدركوا أن الله تعالى، وهو الرازق المطلق، جعل بعض عباده وسيلة لإيصال الرزق لبعض آخر لحكمة عظيمة، لكي يثيب المنفق، ويُدرّب الناس على التعاون والرحمة. هذا يدل على أن الإعراض عن آيات الله يمكن أن يمتد ليشمل حتى التخلي عن الشفقة على خلق الله وغياب الرحمة، وليس فقط إنكار الإيمان.
الدرس لنا اليوم
يمكننا أن نتعلم من هذه الآية درسًا عميقًا لحياتنا المعاصرة. فكم من "آيات" تمر بنا في كل يوم قد نعرض عنها؟ قد تكون هذه الآيات إشارة في الطبيعة تدل على عظمة الخالق، أو نصيحة صادقة من قريب، أو تحذير من خطأ رأيناه في غيرنا، أو دعوة لمساعدة محتاج. إن الميل إلى الإعراض، أو "turning away"، قد يكون حاجزًا بيننا وبين الانتفاع بما ينفعنا في دنيانا وآخرتنا. إن الدرس المستفاد هو ضرورة أن نُنمّي في أنفسنا قلبًا منفتحًا وعقلًا متأملًا لا يعرض عن الآيات، بل يقف عندها متدبرًا، سائلًا نفسه: "ماذا تعني لي هذه الآية؟ وكيف يمكنها أن تشكل قلبي وتصرفاتي؟" فالرحمة والهدى والعطاء تأتي لمن يقبل على آيات الله بصدق وتواضع، لا لمن يعرض عنها.
المصادر: al-Qurtubi (al-Jami li-Ahkam), Ma'arif al-Quran (Mufti Shafi), al-Saadi (Taysir al-Karim), al-Munir (Wahba al-Zuhayli), Ibn al-Jawzi (Zad al-Masir)
الموضوعات التي تتناول هذه الآية
تتناول هذه الآيةَ 1 من أدلة الدراسة الموضوعية في Maani (الأدلة باللغة الإنجليزية).
تدبّر هذه الآية
تدبّر هذه الآية في Maani من خلال خمس عدسات: اختيار الألفاظ، والسياق، ومعناها في حياتك، وصلتها بآيات القرآن الأخرى، ودروسها، استنادًا إلى كتب التفسير المعتمدة.