سورة يس، الآية 45

سُورَةُ يسٓ · مكية · الآية 45 من 83

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُوا۟ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

التفسير الميسر

وإذا قيل للمشركين: احذروا أمر الآخرة وأهوالها وأحوال الدنيا وعقابها; رجاء رحمة الله لكم، أعرضوا، ولم يجيبوا إلى ذلك.

التفسير الميسر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.

المعنى والتدبر

العدسة اللغوية

في هذه الآية الكريمة، تتجلى لنا كلمات الله، نداءً وتحذيراً لقوم أعرضوا عن آياته، بأسلوب بليغ يدعو للتأمل.

النداء والتوجيه

يبدأ السياق بقوله تعالى: "وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ" (`wa idhā qīla lahum`). استخدام الفعل المبني للمجهول "قِيلَ" (`qīla`)، أي "قيل لهم" بمعنى "إذا قيل لهم" (it was said to them), يشير إلى أن القائل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، مبلغًا عن الله تعالى. هذا يضفي على الكلام ثقلاً إلهياً، ويؤكد أن هذه الموعظة ليست من قول البشر، بل هي وحي من خالقهم. الخطاب موجه للمشركين والمعرضين، دعوة لهم للتفكر والاحتراس.

ما بين الأيدي وما خلفكم

القلب النابض في هذه الآية هو قوله تعالى: "اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ" (`ittaqū mā bayna aydīkum wa mā khalfakum`). هذه العبارة تحمل في طياتها معاني عميقة، فقد فسرها العلماء على وجوه متعددة، كلها تصب في التحذير الشامل:
* البعض، مثل مجاهد، رأى أن "مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" هي الذنوب الماضية، و"وَمَا خَلْفَكُمْ" هي الذنوب المستقبلية، أي احذروا ذنوبكم كلها.
* البعض الآخر، كقتادة، رأى أن "مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" هي الوقائع والعقوبات التي حلت بالأمم السابقة بسبب تكذيبهم، و"وَمَا خَلْفَكُمْ" هو أمر الساعة والآخرة وما فيها من عذاب.
* الإمام الرازي أضاف تفسيرات أخرى، منها أن "مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ" هي الآخرة التي يستقبلونها، و"وَمَا خَلْفَكُمْ" هي الدنيا التي تركوها. أو أنها تشمل أنواع العذاب الدنيوي الذي يهددهم (مثل الغرق المذكور في الآيات السابقة) والموت الذي يليه.
هذا التنوع في التفسير يبرز شمولية اللفظ القرآني. فكلمة "اتقوا" تعني اتخذوا وقاية وحماية، والتحذير من "ما بين أيديكم وما خلفكم" يحيط بهم من كل جانب: من عواقب أفعالهم في الماضي، ومن مخاطر الدنيا والعقوبات العاجلة، ومن أهوال المستقبل والآخرة. إنها دعوة لأن يعيشوا بيقظة ووعي، وأن يتدبروا كل ما يحيط بهم من آيات وعبر.

رجاء الرحمة

وتتوج هذه الدعوة بالرجاء: "لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" (`la'allakum turhamūn`). كلمة "لعل" هنا لا تعني مجرد التمني منهم، بل هي من الله تعالى تفيد الرجاء الذي يؤول إلى التحقق متى وُجد السبب. فإذا اتقوا وتجنبوا ما حذرهم الله منه، فإن الرحمة الإلهية ستشملهم جزاءً على طاعتهم. إنها دعوة مفتوحة للعودة، تذكير بأن باب الرحمة ليس موصداً، بل ينتظر من يلجأ إليه بصدق الاحتراس والتوبة.

صمت وعبرة

الآية تحمل دلالة بلاغية دقيقة في حذف جواب "إذا". فبعد قوله: "وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ... لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ"، لم يذكر ماذا حدث، ولكن ما يأتي بعدها في الآية التي تليها (وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ) يدل عليه. والمعنى الضمني هو: "إذا قيل لهم ذلك، أعرضوا". هذا الحذف يشير إلى أن الإعراض هو دأبهم المستمر، وليس مجرد رد فعل لمرة واحدة. إنها شهادة على عمق غفلتهم وعنادهم، فهم لا يستجيبون للتحذير ولا يغتنمون فرصة الرحمة.

المصادر: al-Jadwal fi I'rab al-Quran (Mahmud Safi), al-Zamakhshari (al-Kashshaf), al-Razi (Mafatih al-Ghayb), al-Jalalayn, Ibn Ashur (al-Tahrir wa al-Tanwir)

مرآة دنيوية

هذه الآية الكريمة، من سورة يس، توجه إلينا دعوةً عميقة للتأمل، بالرغم من أنها تتحدث في سياقها عن المشركين، أولئك الذين يعرضون عن آيات الله. الله سبحانه وتعالى هو المتكلم، ويوجه تحذيرًا ودعوةً للرحمة لهؤلاء الكفار.

دعوة للتقوى والتأمل

الآية تبدأ بقوله تعالى: `وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُوا۟ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ`. عندما يُقال لهؤلاء المشركين: `اتَّقُوا۟` (اتقوا) أي احذروا أو تدبروا، فإن المعنى هنا يتسع ليشمل التفكير العميق وأخذ العبرة، وليس مجرد الخوف، كما يشير الدكتور أسرار أحمد. هي دعوة للتفكر والوعي بما يحيط بهم وبما ينتظرهم.

ما أمامنا وما خلفنا

تتعدد الأقوال في معنى `مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ` (ما بين أيديكم وما خلفكم)، وكلها تحمل دروسًا للحياة:
* عبرٌ من الماضي: بعض المفسرين يرون أن `مَا خَلْفَكُمْ` يشير إلى ما مضى من أحداث التاريخ، وما حل بالأمم السابقة من عذاب بسبب تكذيبها، كما يذكر الإمام قتادة. هذه الآيات الكونية (آيات آفاقية) والأيام التي دارت على الأمم الغابرة (أيام الله) هي دروس لمن يريد أن يعتبر.
* حقائق الحاضر وأهوال المستقبل: أما `مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ`، فيشير إلى ما هو قادم من أهوال القيامة وعذاب الآخرة، وما قد يحل في الدنيا من بلايا ونوازل، كما يوضح الضحاك وسفيان. كما يربط الإمام وهبة الزحيلي هذه الآية بموقف الكفار من آيات الله ومن الشفقة على الخلق، مُبينًا أنهم يعرضون عن آيات الله، ويُحرمون عطفهم على الإنسان.
* أعمال الإنسان وجزاؤها: وهناك رأي آخر يربط `مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ` بيوم الحساب، و`مَا خَلْفَكُمْ` بأعمال الإنسان التي قدمها في الدنيا، كما جاء في تفسير تذكرة القرآن. فالحياة كلها رحلة بين العمل والجزاء.

قلبٌ معرض ودعوةٌ للرحمة

الآية تعلمنا أن الإعراض عن هذه التحذيرات والتذكيرات هو سمة الكفار، لكنها في جوهرها تحمل دعوة رحمة من الله. الغاية من كل هذا التحذير هي `لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ`، أي لتكونوا على رجاء رحمة الله. فالله لا يريد العذاب، بل يدعو إلى ما فيه النجاة والفوز برحمته. هذا يبرز الحكمة الإلهية في تذكير البشر، مع تأخير العذاب في كثير من الأحيان رحمةً بهم، كما يشير الإمام الزحيلي إلى تأخير عذاب أمة محمد صلى الله عليه وسلم تكريمًا للرسول الكريم.

إن جوهر هذه الآية، حتى لو كانت موجهة للمشركين، هو مرآة لنا جميعًا. هل نتدبر ما بين أيدينا وما خلفنا؟ هل نتعلم من التاريخ؟ هل نستعد للآخرة؟ هل ننتبه لآيات الله في الكون وفي أنفسنا؟ أم أننا نعرض، فنفقد فرصة الرحمة الإلهية؟ هذه دعوة للتوقف والتأمل في مسيرتنا، ليكون القلب منفتحًا على الهداية والرحمة.

المصادر: Israr Ahmad (Bayan ul Quran), al-Munir (Wahba al-Zuhayli), Sayyid Qutb (Fi Zilal al-Quran), Tazkirul Quran, Ibn al-Jawzi (Zad al-Masir)

الموضوعات التي تتناول هذه الآية

تتناول هذه الآيةَ 2 من أدلة الدراسة الموضوعية في Maani (الأدلة باللغة الإنجليزية).

تصفح جميع الموضوعات القرآنية

تدبّر هذه الآية

تدبّر هذه الآية في Maani من خلال خمس عدسات: اختيار الألفاظ، والسياق، ومعناها في حياتك، وصلتها بآيات القرآن الأخرى، ودروسها، استنادًا إلى كتب التفسير المعتمدة.

تدبّر هذه الآية مع Maani