سورة يس، الآية 47

سُورَةُ يسٓ · مكية · الآية 47 من 83

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُۥٓ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍۢ

التفسير الميسر

وإذا قيل للكافرين: أنفقوا من الرزق الذي مَنَّ به الله عليكم، قالوا للمؤمنين مُحْتجِّين: أنطعم من لو شاء الله أطعمه؟ ما أنتم -أيها المؤمنون- إلا في بُعْدٍ واضح عن الحق، إذ تأمروننا بذلك.

التفسير الميسر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.

المعنى والتدبر

عوالم قرآنية

يا قلب المؤمن، تأمّل هذا المشهد القرآني العظيم في سورة يس، وكيف يكشف لنا عن طبيعة النفوس، وعن حكمة الله البالغة في تدبير أرزاق خلقه.

من يخاطَب هنا؟

تدعونا هذه الآية الكريمة، وهي جزء من سورة مكية، إلى عالم مكة المكرمة في فجر الدعوة الإسلامية. كان الخطاب هنا موجّهًا إلى المشركين من أهل مكة، الذين عاصروا النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم، وكان المؤمنون يدعونهم إلى الإيمان وإلى مكارم الأخلاق، ومنها الإنفاق. عندما كان المؤمنون يخاطبون هؤلاء الكفار، قائلين لهم: `أَنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ` (أنفقوا مما أعطاكم الله)، كان ردّهم يأتي بهذا الجفاء والسخرية.

فهم مغلوط لمشيئة الله

لقد أجاب الذين كفروا المؤمنين بسؤال استنكاري متعجرف: `أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُۥٓ` (هل نطعم من لو أراد الله أن يطعمه، لأطعمه بنفسه؟). كان هذا منطقًا فاسدًا، كما يوضح الإمام الفخر الرازي، فهو يخلط بين `الأمر` (الطلب الإلهي بفعل الخير) و`المراد` (مشيئة الله المطلقة في تدبير الأمور). لم يكتفوا بالرفض، بل رموا المؤمنين بالتهمة قائلين: `إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍۢ` (ما أنتم إلا في ضلال واضح)، يزعمون أن طلب الإنفاق هذا يدل على ضلالهم.

الحكمة الإلهية في الرزق

يكشف لنا هذا الموقف عن جهل هؤلاء الكفار بـ`سنن الله` (قوانين الله وحكمته) في الكون وفي حياة البشر. فالله تعالى هو الرزاق وحده، وهو القادر على إطعام الجميع مباشرة، كما يفعل مع كثير من الكائنات. ولكن حكمته اقتضت أن يجعل بعض الناس أغنياء وبعضهم فقراء، وهذا `ابتلاء` (اختبار) للجميع، كما بيّن الإمام البغوي. يجعل الأغنياء `قنوات` (وسائط) لإيصال الرزق للفقراء، لا عجزًا منه، بل لحِكَم بالغة، منها اختبار الغني في شكره وعطائه، واختبار الفقير في صبره.

يشرح لنا المفتي محمد شفيع والعلامة سيد قطب أن هذا التفاوت في الأرزاق يخلق `نظامًا اجتماعيًا` (نظامًا مجتمعيًا) من التعاون والتكامل. فالغني يحتاج لعمل الفقير، والفقير يحتاج لمال الغني. إنها حكمة إلهية تدفع الناس نحو `الخلافة الأرضية` (إعمار الأرض) والتكافل، وتنمي فيهم قيم الإحسان والرحمة. فبإنفاق الغني، تتطهر نفسه وماله، ويشعر الفقير بالمحبة والكرامة. ولذلك، فإن الذين يرفضون الإنفاق بحجة أن "الله لو شاء لأطعمهم" هم في الحقيقة جاحدون لحكمة الله ومخالفون لأمره، غارقون في ضلال مبين حقًا.

المصادر: Ma'arif al-Quran (Mufti Shafi), Sayyid Qutb (Fi Zilal al-Quran), al-Baghawi (Maalim al-Tanzil), al-Razi (Mafatih al-Ghayb), Ibn Kathir

مرآة دنيوية

دعوة إلى البذل وصد الكافرين

تتجلّى هذه الآية الكريمة، سورة يس 36:47، في مشهدٍ حيٍّ يصور حوارًا بين المؤمنين والكافرين، يكشف عن طبيعة القلوب وموقفها من نداء العطاء والرحمة. يخاطب الله سبحانه وتعالى في هذه الآية حال الذين كفروا عندما يدعوهم المؤمنون إلى الإنفاق من الرزق الذي منحهم الله إياه.

منطق القلب القاسي

تخبرنا الآية: "وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُۥٓ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍۢ". هنا نرى كيف يواجه المؤمنون الكافرين بدعوة بسيطة وعميقة: أن يبذلوا جزءاً مما رزقهم الله على المحتاجين. لكن رد الكافرين كان يحمل تهكّمًا واستكبارًا، كما يشير الإمام الزحيلي. يقولون: "أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُۥٓ؟" أي، كيف نطعم أناسًا لو أراد الله أن يطعمهم لأطعمهم بنفسه؟ ثم يرمون المؤمنين بالتيه والضلال: "إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍۢ". هذا الجواب يعكس قلبًا قاسياً لا يرى في الفقر فرصة للعطاء، بل حجة للامتناع عنه، وتبريراً للبخل وانعدام الشفقة على خلق الله، كما يوضح ذلك الدكتور أسرار أحمد والزحيلي. إنها محاولة منهم لتوافق مشيئة الله الظاهرة (حسب فهمهم السطحي) مع بخلهم.

حكمة التفاوت في الرزق

هذه الحجة الواهية تتجاهل حكمة الله العميقة في تفاوت الأرزاق بين الناس. فالله سبحانه وتعالى، كما يبين سيد قطب، جعل الناس مختلفين في قدراتهم ورزقهم لتعمر الأرض ولتكتمل منظومة الحياة، وليختبر الأغنياء بالفقراء. فالمال الذي في أيدينا ليس ملكًا محضًا لنا، بل هو رزق من الله، ولقد أوجب الله على الغني حقًا في ماله للفقير. هذه الحكمة الإلهية تقتضي أن يكون هناك من يحتاج ومن يعطي، لتدور عجلة المجتمع ولتُبنى العلاقات على التراحم والتعاون. فالدعوة إلى الإنفاق هي في الحقيقة دعوة لتطهير المال، وعبادة لله، وبناء جسور المحبة بين الأغنياء والفقراء، وإصلاح للنفوس والأخلاق.

مرآة للعلاقة بالمجتمع

تعكس هذه الآية في مرآة "العالم الدنيوي" نمطًا اجتماعيًا يتكرر في كل زمان ومكان: فئة ترفض مسؤوليتها تجاه المجتمع وتُبرر بخلها بمنطق مضلل. إنها دعوة لنا لنتفكر: هل نرى في حاجة الآخرين فرصة للبذل والشكر، أم نبرر تقصيرنا بحجج واهية؟ إن نظرة الكافرين هنا تكشف عن غياب كامل للرحمة وشفقة المخلوقات، وهو ما يعد ضلالًا بيّنًا في الفهم والسلوك، لأنهم لم يفهموا حكمة الله في توزيع الأرزاق ولا مقاصده في الأمر بالإنفاق.

هذه الآية تذكرنا بأن الإنفاق ليس مجرد عطاء مادي، بل هو تجسيد للإيمان بالله والرحمة بعباده، وفهم عميق لنظام الله في الحياة الدنيا.

المصادر: Israr Ahmad (Bayan ul Quran), Sayyid Qutb (Fi Zilal al-Quran), Ibn al-Jawzi (Zad al-Masir), Tazkirul Quran, al-Munir (Wahba al-Zuhayli)

حكمة

هذه الآية الكريمة تقدم مشهدًا لحوار دار بين المؤمنين والكافرين. عندما دعا المؤمنون الكافرين إلى الإنفاق من `الرِّزْقِ الَّذِي مَنَّ بِهِ اللَّهُ عَلَيْهِمْ` (الرزق الذي منَّ به الله عليهم), أي الصدقة على الفقراء والمحتاجين, كان ردهم استهزاءً وتحديًا: `أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُۥٓ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِى ضَلَالٍۢ مُّبِينٍۢ` (أنُطعم مَن لو يشاء الله أطعمه؟ إن أنتم إلا في ضلال مبين). لقد استخدموا مشيئة الله كذريعة لعدم العطاء, واتهموا المؤمنين بالضلال.

حكمة تفاوت الأرزاق

إن هذا الرد يكشف عن سوء فهم عميق لحكمة الله في تدبير الأرزاق. فالله سبحانه وتعالى هو الرزاق المطلق, وهو القادر على إطعام جميع خلقه مباشرة لو شاء. ولكن حكمته اقتضت أن يجعل الناس متفاوتين في أرزاقهم, فمنهم الغني ومنهم الفقير. هذا التفاوت ليس عشوائياً, بل هو اختبار لكل من الغني والفقير. كما يشير الإمام القرطبي, فإن الكفار صدقوا في أن الله لو شاء لأطعمهم, لكنهم أخطأوا في اتخاذ ذلك حجة لعدم الإنفاق. فالغني يُختبر بوجوب الإنفاق والصدقة, والفقير يُختبر بالصبر والرضا.

المسؤولية تجاه المحتاجين

يرشدنا الإمام الشافعي إلى أن الله تعالى, بصفته الرزاق المطلق, يجعل بعض الناس قنوات لرزق آخرين. هذا النظام الاجتماعي الذي يعتمد على التعاون والتكافل هو جزء من حكمته البالغة, ليثيب المنفق على عطائه, ويجعل المتلقي يشعر بالامتنان والترابط. فالمال الذي بين أيدينا هو في الحقيقة `مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ` (مما رزقكم الله), أي من فضل الله وعطائه, وهو يحمل في طياته حقاً للمحتاج. فمنع الإنفاق هو بخل بمال هو بالأصل من فضل الله, وهو ذمٌّ على ترك الشفقة على خلق الله, كما يذكر الزحيلي في تفسير المنير.

إرادة الله وعمل الإنسان

الدرس الأساسي الذي نستخلصه من هذه الآية هو أن مشيئة الله وقدره ليسا حجة لترك الأوامر الربانية أو التهرب من المسؤوليات. فقد أعطى الله الإنسان القدرة والاختيار, كما يوضح الإمام السعدي, ليفعل الخير ويجتنب الشر. استخدام مشيئة الله كذريعة لعدم العطاء أو مساعدة المحتاجين هو فهم خاطئ ومتحيز. بدلاً من الجدال حول `لَوْ يَشَاءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ` (لو يشاء الله أطعمه), يجب على المؤمن أن يفكر في `أَنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ` (أنفقوا مما رزقكم الله) وأن يستجيب لهذا الأمر بالرحمة والعطاء, مدركًا أن رزقه هو اختبار وشكر, وأن بيده فرصة عظيمة للأجر والثواب وخدمة مجتمعه.

Source: al-Qurtubi, Ma'arif al-Quran (Mufti Shafi), al-Saadi, al-Munir (Wahba al-Zuhayli)

المصادر: al-Qurtubi (al-Jami li-Ahkam), Ma'arif al-Quran (Mufti Shafi), al-Saadi (Taysir al-Karim), Ibn al-Jawzi (Zad al-Masir), al-Munir (Wahba al-Zuhayli)

الموضوعات التي تتناول هذه الآية

تتناول هذه الآيةَ 1 من أدلة الدراسة الموضوعية في Maani (الأدلة باللغة الإنجليزية).

تصفح جميع الموضوعات القرآنية

تدبّر هذه الآية

تدبّر هذه الآية في Maani من خلال خمس عدسات: اختيار الألفاظ، والسياق، ومعناها في حياتك، وصلتها بآيات القرآن الأخرى، ودروسها، استنادًا إلى كتب التفسير المعتمدة.

تدبّر هذه الآية مع Maani