سورة يس، الآية 78
سُورَةُ يسٓ · مكية · الآية 78 من 83
وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًۭا وَنَسِىَ خَلْقَهُۥ ۖ قَالَ مَن يُحْىِ ٱلْعِظَٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌۭ
التفسير الميسر
وضرب لنا المنكر للبعث مثلا لا ينبغي ضربه، وهو قياس قدرة الخالق بقدرة المخلوق، ونسي ابتداء خلقه، قال: مَن يحيي العظام البالية المتفتتة؟
التفسير الميسر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.
المعنى والتدبر
العدسة اللغوية
تدعونا آية اليوم من سورة يس، وهي الآية 78، إلى وقفة تأمل عميقة في كلمات الحق سبحانه، لنرى كيف يكشف لنا القرآن عن عظمة الله وقدرته، ويفضح غفلة الإنسان وتحدّيه. تتحدث هذه الآية عن منكر للبعث، يضرب مثلاً ويناقش في قدرة الله على إحياء الموتى.
مثلٌ في غير محلّه
تبدأ الآية بقوله تعالى: "وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًۭا". كلمة `ضرب` (`daraba`) هنا لا تعني "الضرب" المعروف، بل كما يوضح الإمام ابن عاشور، هي بمعنى "إقامة" أو "إظهار" المثل، كأن نقول "ضرب خيمة" أو "ضرب دينار". هذا الشخص، وهو من الكفار المعاندين كما تشير الروايات في سبب النزول، قدم تشبيهاً خاطئاً لقدرة الله، مقارناً إياها بقدرة المخلوق الناقصة. التعبير بـ "لنا" (أي "لله") يحمل في طياته دلالة على وقاحة هذا الإنكار وتحدّيه للرب العظيم، فالمثل الذي ضربه لم يكن مثالاً صحيحاً، بل كان إنكاراً لقدرة الخالق.
غفلة عن البداية
يأتي بعدها قوله سبحانه: "وَنَسِىَ خَلْقَهُۥ". كلمة `نسي` (`nasiya`) هنا ليست نسياناً بالمعنى المعتاد الذي يعتري البشر من زوال المعلومة من الذاكرة. بل كما يوضح الإمام ابن عاشور وغيره، هو نسيان مجازي، بمعنى غياب العلم والتدبر، أو عدم اهتدائه إلى كيفية خلقه الأول. كيف يجادل في إحياء العظام البالية، وينسى أنه خُلق أصلاً من `نطفة` (`nutfa`)، وهي قطرة ماء مهين لا حياة فيها، ثم أصبح بشراً سوياً؟ هذا الخلق الأول أعجب وأصعب في نظر المنكر من الإعادة، ومع ذلك يتجاهله.
سؤال الإنكار
ثم تختتم الآية بمثال هذا التحدي: "قَالَ مَن يُحْىِ ٱلْعِظَٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌۭ". قوله "من يحيي العظام" ليس سؤالاً حقيقياً يطلب جواباً، بل هو `استفهام إنكاري` (`istifham inkari`)، كما ذكر الإمام ابن عاشور والإمام الرازي، أي أن هذا المنكر يدّعي أنه لا أحد يستطيع إحياء العظام. لقد اختار العظام تحديداً، لأنها أبعد ما تكون عن مظاهر الحياة، خاصة وهي `رميم` (`ramim`)، أي بالية متفتتة، ليزيد من قوة إنكاره.
ويُلاحظ هنا دقة اختيار كلمة `رميم`. فعلى الرغم من أن العظام (جمع تكسير مؤنث) إلا أن كلمة `رميم` جاءت بصيغة المذكر (ولم تقل "رميمة"). يشرح الإمام الجلالين والإمام ابن عاشور أن `رميم` هنا ليست صفة للعظام، بل هي اسم أو مصدر، بمعنى البِلى نفسه، أو "شيء بالٍ متفتت". وهذا الاختيار اللغوي يؤكد على حالة العظام الشديدة من التفتت والتحلل، مما يصور حالة الموت الكاملة في نظر المنكر.
تذكرنا هذه الآية، بكلماتها المختارة بدقة، أن قدرة الله لا يحدها شيء، وأن غفلة الإنسان عن بداية خلقه هي أساس إنكاره للبعث. إنها دعوة للتأمل في أعجب ما حولنا: ذواتنا التي خلقها الله من لا شيء.
المصادر: al-Zamakhshari (al-Kashshaf), al-Jalalayn, Ibn Ashur (al-Tahrir wa al-Tanwir), al-Razi (Mafatih al-Ghayb), al-Jadwal fi I'rab al-Quran (Mahmud Safi)
عوالم قرآنية
في هذه الآية الكريمة، تتجلى حقيقة قرآنية عميقة تتعلق بالإنكار البشري لقدرة الله تعالى على إعادة الخلق، وتدعو إلى تأمل أساسي في حقيقة وجود الإنسان نفسه. هنا، الخطاب موجه إلى المنكرين للبعث، وتحديداً إلى شخص يمثل هذا الإنكار، حيث يسأل الله تعالى عن قدرته على إحياء الموتى.
نظرة على الآية
يقول الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُۥ ۖ قَالَ مَن يُحْىِ ٱلْعِظَٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌۭ﴾ (يس: 78). تشير الآية إلى شخص ينكر البعث، فيقدم مثالاً غير لائق، حيث يقيس قدرة الخالق بقدرة المخلوق المحدودة. يُخبرنا الله أنه قد "ضَرَبَ لَنَا مَثَلًا" (قدّم لنا مثالاً)، وهذا المثال هو في سؤاله الاستنكاري: "مَن يُحْىِ ٱلْعِظَٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌۭ" (من يحيي العظام وهي بالية متفتتة؟). لفظ "رميم" (ramīm) يصف العظام البالية المتفتتة، مما يعكس الحالة التي يظن عندها المنكر أن الإعادة مستحيلة.
عالم الخلق في الآية
الجوهر في هذه الآية هو التذكير بعالم الخلق والإبداع الإلهي. الله سبحانه وتعالى يقول عن هذا المنكر: "وَنَسِيَ خَلْقَهُ" (ونسى خلقه). هذا النسيان هو لب المشكلة، فلو تأمل الإنسان كيف خُلِق هو نفسه، لما تجرأ على سؤال كهذا. يذكر المفسرون، مثل الإمام ابن كثير ومفتي محمد شفيع، أن هذا الشخص نسي أنه خُلق من العدم، أو من قطرة ماء حقيرة لا حياة فيها، ثم أُنشئ كائناً حياً كاملاً.
يُبرز السيد قطب هذا الاستدلال الفطري: كيف يستبعد الإنسان إحياء العظام البالية وهو يرى نفسه قد خُلق من نطفة مهينة لا قيمة لها؟ إن الذي خلق من العدم، ومن النطفة، قادر على الإعادة من الرميم. يذهب الإمام الفخر الرازي أبعد من ذلك في تأمله لعظمة الخلق، فيشير إلى أن الإنسان لم يُخلق مجرد جسد، بل أصبح "خَصِيمٍ مُّبِينٍ" (مجادلاً بيّناً)، أي ناطقاً عاقلاً. إن إبداع النطق والفهم والعقل من نطفة بسيطة هو أعجب وأغرب من إعادة الخلق بعد البلى والتفرق. فتأمل الإنسان في كيفية تكونه من قطرة ماء إلى كائن معقد يفكر ويتكلم، هو في حد ذاته أكبر برهان على قدرة الله على البعث.
سياق الوحي ومخاطبيه
تُشير هذه الآية إلى سياق الوحي في مكة المكرمة، حيث كان إنكار البعث من أبرز اعتراضات الكفار على دعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. وقد ورد في الروايات أن هذه الآيات نزلت في مناسبة خاصة، كما ذكر الإمام الرازي، حين أخذ أبي بن خلف عظماً بالياً وفتته أمام النبي صلى الله عليه وسلم، سائلاً استنكاراً: "أَتَزْعُمُ أنَّ رَبَّكَ يُحْيِي هذا بَعدَ ما قَد رَمَّ؟" (هل تزعم أن ربك يحيي هذا بعد ما قد بلي؟). فكان رد القرآن الكريم على هذا التساؤل ليس مجرد نفي، بل تذكير بالبدهيات وأعظم آيات الخلق، وهي خلق الإنسان نفسه. هذا التذكير لا يقتصر على أبي بن خلف، بل هو خطاب عام لكل إنسان ينكر قدرة الله على الإحياء بعد الموت.
المصادر: Ma'arif al-Quran (Mufti Shafi), al-Baghawi (Maalim al-Tanzil), Sayyid Qutb (Fi Zilal al-Quran), Ibn Kathir, al-Razi (Mafatih al-Ghayb)
الموضوعات التي تتناول هذه الآية
تتناول هذه الآيةَ 9 من أدلة الدراسة الموضوعية في Maani (الأدلة باللغة الإنجليزية).
تدبّر هذه الآية
تدبّر هذه الآية في Maani من خلال خمس عدسات: اختيار الألفاظ، والسياق، ومعناها في حياتك، وصلتها بآيات القرآن الأخرى، ودروسها، استنادًا إلى كتب التفسير المعتمدة.