سورة يس، الآية 77

سُورَةُ يسٓ · مكية · الآية 77 من 83

أَوَلَمْ يَرَ ٱلْإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقْنَٰهُ مِن نُّطْفَةٍۢ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌۭ مُّبِينٌۭ

التفسير الميسر

أو لم ير الإنسان المنكر للبعث ابتداء خلقه فيستدل به على معاده، أنا خلقناه من نطفة مرَّت بأطوار حتى كَبِر، فإذا هو كثير الخصام واضح الجدال؟

التفسير الميسر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.

المعنى والتدبر

العدسة اللغوية

نظرة في استفهام وتوبيخ

تأمل هذه الآية الكريمة، لنجد فيها دعوة عميقة للنظر في أصل خلق الإنسان. تبدأ الآية باستفهام يحمل في طياته التوبيخ والتعجب: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ﴾. هذا الاستفهام، كما يوضح محمود صافي في "الجدول في إعراب القرآن"، ليس مجرد سؤال، بل هو "استفهام توبيخي تعجبي"، أي سؤال فيه لوم شديد ودهشة من حال الإنسان. وكلمة ﴿يَرَ﴾ هنا لا تعني مجرد الرؤية بالعين، بل تعني "يعلم" أو "يتفكر ويدرك"، كما ذكر الإمام الرازي والجلالين. فكأن الله يسأل الإنسان: ألم تعلم يا منكر البعث، ألم تفكر في أصل خلقك حتى تدرك عظمة خالقك وقدرته على الإعادة؟

من نطفة إلى خصيم مبين

تستمر الآية في الكشف عن أصل هذا الإنسان الذي ينكر: ﴿أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ﴾. `نُطْفَة` (nuṭfah) تعني قطرة صغيرة من الماء، وهي أصل خلق الإنسان. وقد شدد الزمخشري على دناءة هذا الأصل ومهانته، حيث وصف النطفة بأنها "أخس شيء وأمهنه"، و"الخارجة من الإحليل الذي هو قناة النجاسة". هذه الكلمات تبرز التباين الشديد بين أصل الإنسان المادي المتواضع، وما أصبح عليه من قوة وقدرة.

ثم يأتي التحول المدهش الذي تعبر عنه كلمة ﴿فَإِذَا﴾، وهي `إذا` الفجائية التي تفيد المفاجأة والانتقال السريع وغير المتوقع. فبعد أن كان الإنسان مجرد قطرة ماء لا قيمة لها، "فإذا هو خصيم مبين" (fa-idhā huw khaṣīmun mubīn).

قوة البيان في الخصومة

إن اختيار كلمتي ﴿خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ له دلالة عميقة. `خصيم` (khaṣīm) تعني شديد الخصومة والجدال، و`مبين` (mubīn) تعني واضح البيان، فصيح الحجة. يقول الإمام الرازي إن استخدام "خصيم" بدلاً من مجرد "ناطق" يشير إلى أعلى مراتب النطق والفهم، حيث يكون الإنسان في أوج بيانه وقوته العقلية وهو يدافع أو يناقش خصمه. فالإنسان الذي خلقه الله من مجرد قطرة ماء، جعله قادراً على النطق والعقل والبيان، بل وأعطاه القدرة على أن يكون خصيمًا مبينًا، أي مجادلاً فصيحًا واضح الحجة.

هذا التباين الصارخ بين منشأ الإنسان المتواضع (نطفة)، وبين ذروة ما وصل إليه من قوة الجدال والبيان (خصيم مبين)، هو الدليل القاطع على قدرة الله الذي أوجده من العدم، ورفعه من أدنى المراتب إلى أن أصبح كائناً متكلماً عاقلاً. فإذا كان الله قادراً على هذا التحول العظيم، أفلا يقدر على إحياء الأموات؟ هذه هي البلاغة العميقة التي تحملها كلمات هذه الآية، داعية الإنسان إلى التواضع وإعادة النظر في قدرة خالقه.

المصادر: al-Jadwal fi I'rab al-Quran (Mahmud Safi), al-Zamakhshari (al-Kashshaf), al-Jalalayn, al-Razi (Mafatih al-Ghayb), Ibn Ashur (al-Tahrir wa al-Tanwir)

الموضوعات التي تتناول هذه الآية

تتناول هذه الآيةَ 4 من أدلة الدراسة الموضوعية في Maani (الأدلة باللغة الإنجليزية).

تصفح جميع الموضوعات القرآنية

تدبّر هذه الآية

تدبّر هذه الآية في Maani من خلال خمس عدسات: اختيار الألفاظ، والسياق، ومعناها في حياتك، وصلتها بآيات القرآن الأخرى، ودروسها، استنادًا إلى كتب التفسير المعتمدة.

تدبّر هذه الآية مع Maani