سورة يس، الآية 48
سُورَةُ يسٓ · مكية · الآية 48 من 83
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ
التفسير الميسر
ويقول هؤلاء الكفار على وجه التكذيب والاستعجال: متى يكون البعث إن كنتم صادقين فيما تقولونه عنه؟
التفسير الميسر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.
المعنى والتدبر
عوالم قرآنية
إنَّ آية سورة يس 36:48، "وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ"، تنقل لنا مشهدًا حيًّا من عالم الوحي في مكة المكرمة، وتدعونا لنتأمل في استجابة القلوب للدعوة الإلهية.
سياق النزول والتحدي
تأتي هذه الآية، كما يوضح المفتي شفيع في "معارف القرآن"، في سياق دعوة القرآن للمشركين في مكة. فبعدما عرضت الآيات السابقة دلائل قدرة الله وحكمته في خلق السماوات والأرض، ودعتهم للإيمان به وحده ووعدتهم بالنعيم وحذرتهم من العذاب، جاء رد المشركين بتكذيب واستعجال. هؤلاء كانوا هم الجمهور الأول المخاطَبون، وهم الكفار الذين تلقوا دعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. كان موقفهم، كما يشرح المفتي شفيع، الرفض وعدم التأثر لا بالترغيب ولا بالترهيب.
إن المتكلم في هذه الآية هم كفار مكة، ويتوجهون بخطابهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، متسائلين بتهكم واستبعاد: "مَتَىٰ هَٰذَا ٱلْوَعْدُ" أي متى ستقوم الساعة والبعث الذي تتحدثون عنه، "إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" في دعواكم هذه، كما يذكر البغوي والرازي. هذا التساؤل ليس طلبًا للمعرفة، بل هو إنكار وتحدٍّ واستهزاء، كأنهم يقولون: إن كنتم صادقين في وقوع الحشر فأخبرونا متى يكون، كما يفصل الرازي.
قلب الرفض والإنكار
يكشف هذا التساؤل عن حالة نفسية عميقة من الغفلة والعناد. فالدعوة إلى تقوى الله والإنفاق في سبيله، والتي سبقت هذه الآية، قوبلت بهذا الإنكار للوعد الأساسي الذي تبنى عليه هذه الدعوة، وهو وعد القيامة والحساب. إنهم يرون أنه لا فائدة من التقوى أو الإنفاق إذا كان الوعد بالحشر والثواب والعقاب لا حقيقة له، كما يرى الرازي. إنهم يستبعدون قيام الساعة ويستعجلونها سخريةً، وهذا ما أخبر الله تعالى به عنهم، كما يوضح ابن كثير.
حكمة الله وتوقيته
يذكّرنا هذا المشهد من عالم الوحي بأن الله سبحانه وتعالى قد حدد لكل شيء قدرًا وميقاتًا. إن وقت قيام الساعة ليس مرتبطًا بتعجل البشر أو مطالبهم، بل هو أمر قدَّره الله بحكمته، كما يذكر سيد قطب. إنّ معرفة هذا الوقت هي من علم الله وحده، وهذا السؤال لا ينبع إلا من قلوب لا تستشعر عظمة هذا الوعد وجديته.
إن هذه الآية تدعونا للتأمل في قلوبنا: هل نتقبل مواعيد الله بالغيب تسليمًا وإيمانًا، أم ننزلق إلى مثل هذا التشكيك والتعجل الذي ينم عن قلة اليقين؟ إنها دعوة لأن نتفكر في موقفنا من الوعود الإلهية، ونستعد لها بجدية واستسلام، لا بسؤال استنكار أو تهكم.
المصادر: Ma'arif al-Quran (Mufti Shafi), al-Baghawi (Maalim al-Tanzil), al-Razi (Mafatih al-Ghayb), Sayyid Qutb (Fi Zilal al-Quran), Ibn Kathir
حكمة
في هذه الآية الكريمة، تتجلى صورة من صور تعامل البشر مع حقائق الغيب، وتحديدًا مع وعد الله بالبعث والحساب. يقول تعالى: "وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ".
معنى الآية
تخبرنا الآية عن حال الكفار، الذين كانوا يتعاملون مع دعوة النبي صلى الله عليه وسلم للإيمان باليوم الآخر والاستعداد له، بالإنكار والتهكم. فهم لا يسألون عن موعد القيامة سؤال المستفسر الذي يطلب العلم، بل سؤال المستهزئ الذي يكذّب ويستعجل بغير يقين، كأنهم يقولون: "أين هذا الوعد الذي تهددوننا به؟ متى سيتحقق إن كنتم صادقين حقًا؟". هذا ما يفهمه العلماء مثل الإمام القرطبي والسعدي، الذين أكدوا أن سؤالهم كان على سبيل التكذيب والاستهزاء والاستعجال، لا على سبيل طلب الحقيقة.
درس في التعامل مع الحقيقة
تُعلّمنا هذه الآية درسًا عميقًا في كيفية تعامل النفس البشرية مع الحقائق التي قد تبدو بعيدة أو غير مريحة. فكثيرًا ما يميل الإنسان إلى إنكار أو تأجيل ما لا يتوافق مع رغباته العاجلة أو ما لا يراه ماثلًا أمامه. الوعد بالبعث ليس مجرد معلومة، بل هو دعوة لتغيير مسار الحياة والاستعداد لمرحلة قادمة. هذا النمط من الاستهزاء لا يقتصر على الكفار في زمان النزول، بل هو ميل بشري عام للتهرب من المسؤولية أو التسويف في الاستجابة للدعوات الإلهية.
اليقين في وعد الله
على الرغم من سخرية المنكرين واستعجالهم، فإن هذه الآية تذكرنا بأن وعود الله حق لا يتخلف. الله سبحانه وتعالى لا يستعجله شيء ولا يبطئ عليه شيء، وموعده آتٍ لا ريب فيه، وإن غابت حكمته عن إدراكنا أو بدا لنا بعيدًا. إنها دعوة لنا لنوقن بصدق وعود الله ونُحيي قلوبنا بالخشية والرجاء، فلا نجعل طول الأمد يُنسينا الحقيقة المحتومة. التطبيق العملي لذلك يكمن في مراجعة أنفسنا: هل نعطي الوعود الإلهية، سواء بالثواب أو العقاب، حقها من الاهتمام والاستعداد؟ أم أننا نعيش غافلين، كأننا نسأل بلسان الحال "متى هذا الوعد؟" متأخرين في التوبة والعمل الصالح؟ الآية تدعونا إلى اليقظة الدائمة والتصديق الجازم بأن كل وعد إلهي له موعده المحتوم الذي لا يتخلف.
المصادر: al-Qurtubi (al-Jami li-Ahkam), Ma'arif al-Quran (Mufti Shafi), al-Munir (Wahba al-Zuhayli), al-Saadi (Taysir al-Karim), Ibn al-Jawzi (Zad al-Masir)
تدبّر هذه الآية
تدبّر هذه الآية في Maani من خلال خمس عدسات: اختيار الألفاظ، والسياق، ومعناها في حياتك، وصلتها بآيات القرآن الأخرى، ودروسها، استنادًا إلى كتب التفسير المعتمدة.