سورة يس، الآية 44

سُورَةُ يسٓ · مكية · الآية 44 من 83

إِلَّا رَحْمَةًۭ مِّنَّا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٍۢ

التفسير الميسر

إلا أن نرحمهم فننجيهم ونمتعهم إلى أجل؛ لعلهم يرجعون ويستدركون ما فرَّطوا فيه.

التفسير الميسر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.

المعنى والتدبر

العدسة اللغوية

يا قلب المتدبر، هذه الآية الكريمة، رغم قصرها، تحمل في طياتها معاني عميقة تلامس سر وجودنا وضعفنا أمام قوة الخالق سبحانه. تأتي هذه الكلمات مباشرة بعد مشهد يصور قدرة الله على إغراق من يشاء في البحر، حيث لا منقذ ولا معين. في هذا السياق، تشرق آيتنا كإعلان عن رحمة الله المطلقة.

رحمة خالصة من الله

تبدأ الآية بـ ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِّنَّا﴾. هنا، كلمة "إلا" لا تعني استثناءً من كائن بشري أو وسيلة نجاة عادية. بل هي استثناء من نفي وجود أي صريخ أو منقذ (كما ذكر في الآية السابقة). يشرح الإمام ابن عاشور، رحمه الله، أن هذا استثناء "منقطع"، بمعنى أن النجاة ليست شيئًا يخرج من نطاق الصريخ أو المنقذ، بل هي سبب منفصل تمامًا. إنها عطاء إلهي محض. فحين يشاء الله النجاة، فإنه يهيئ الأسباب، مثل تهدئة البحر، أو تمكينهم من التمسك بحطام السفينة، كل ذلك بفضله وحده. وتأمل في كلمة ﴿مِّنَّا﴾؛ إنها تُبرز أن هذه الرحمة مصدرها الله وحده، لا يشاركه فيها أحد. هو الذي يمتلك القدرة الكاملة على منح الحياة والنجاة، لا أحد سواه.

متاع مؤقت إلى أجل معلوم

ثم تأتي ﴿وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ﴾. كلمة "متاع" تعني استمتاعًا بالحياة ومواصلة العيش، و"إلى حين" تحدد أن هذا الاستمتاع ليس دائمًا بل له أجل مسمى. يوضح الإمام الفخر الرازي أن هذا الامتداد في الحياة قسمان: رحمة للمؤمنين ليزدادوا إيمانًا، ومتاع للكافرين ليتمتعوا بالدنيا زمانًا ربما ليتوبوا أو ليزدادوا إثمًا. وهذا الامتداد هو فرصة للتذكر والعودة إلى الله، كما يشير تفسير الميسر "لعلهم يرجعون ويستدركون ما فرَّطوا فيه".

بمعنى أعمق، تُذكرنا هذه الكلمات بأن النجاة من أي مصيبة في الدنيا ليست خلودًا. يقول الزمخشري إنها نجاة "إلى أجل يموتون فيه لا بد لهم منه بعد النجاة من موت الغرق"، ويستشهد بقول الشاعر: "ولم أسلم لكي أبقى ولكن... سلمت من الحمام إلى الحمام". إنها تذكرة بأن كل نفس ذائقة الموت، وأن كل نجاة من خطر هي مجرد تأجيل لميعاد مقدر. وهذا يرسخ في قلوبنا حقيقة أن العمر مهما طال فهو قصير، وأن كل لحظة إضافية هي منحة إلهية يجب استغلالها فيما يرضيه.

إن تدبر هذه الآية يدعونا إلى تقدير كل نفس نتنفسه كرحمة من الله، وإلى فهم أن كل فرصة نجاة أو استمتاع بالحياة هي "متاع إلى حين"، لا يدوم. فهل نعيش هذه اللحظات بامتنان ووعي، أم نغفل عن مصدر النعم ونهايتها؟

المصادر: al-Zamakhshari (al-Kashshaf), al-Razi (Mafatih al-Ghayb), al-Jalalayn, al-Jadwal fi I'rab al-Quran (Mahmud Safi), Ibn Ashur (al-Tahrir wa al-Tanwir)

حكمة

الهيئة العامة للآية

تبدأ هذه الآية بكلمة "إلا" التي تربطها بما قبلها من آيات تصف قدرة الله تعالى المطلقة. فقبلها مباشرة، يذكر الله أنه لو شاء لأغرق الناس في السفن وما يركبون من وسائل نقل أخرى، ولما وجدوا منقذًا. تأتي هذه الآية الكريمة لتبين سبب نجاتهم من هذه القوة الإلهية العظيمة.

رحمة منه ومتاع

هنا، يخبرنا الله سبحانه وتعالى أن نجاتنا من الهلاك والمحن، وتمتعنا بوسائل النقل وبكل رزق في حياتنا، ليس بقدرتنا ولا بقوتنا، بل هو خالص `رَحْمَةً مِّنَّا` (رحمة منا). هذه الرحمة الإلهية هي التي تحيط بنا وتحفظنا. إنها تذكير بأن حياتنا بأسرها معلقة بمشيئته ورحمته وحده. فكل لحظة أمان نشعر بها، وكل رحلة تتم بسلام، وكل نعمة نعيشها، هي عطاء محض من الله تعالى.

ثم يضيف سبحانه وتعالى: `وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٍۢ` (ومتاعًا إلى حين). يشير هذا إلى أن هذا الأمان وهذا التمتع بالحياة وكل ما فيها من لذائد، هو أمر مؤقت ومحدود بفترة زمنية معلومة. وقد أوضح علماء التفسير، مثل القُرطبي والسعدي، أن هذا "الحين" ينتهي عند الأجل الذي قدره الله لكل إنسان، وهو الموت. هذا يعني أن كل ما نعيشه من خير وبركة هو استمتاع مؤقت في هذه الحياة الدنيا.

درسٌ لنا

إن هذا المعنى يحمل في طياته درساً عظيماً لنا. إنه يغرس في قلوبنا التواضع والشكر الدائم لله تعالى. فبدلاً من أن ننسب نجاتنا ونجاحنا إلى ذكائنا أو جهدنا فقط، يجب أن ندرك أن الأمر كله بفضل الله ورحمته. يذكرنا هذا بأن كل نفس نتنفسه، وكل خطوة نخطوها بأمان، هو فرصة إضافية منحها الله لنا. هذه الفرصة، هذا `الْمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍۢ`، هو دعوة لأن نرجع إلى الله ونتدارك ما فاتنا من تقصير، كما أوضح السعدي، لعلنا نستدرك ما فرطنا فيه من أعمال صالحة. فكل يوم جديد هو هبة، وكل ليلة نقضيها بأمان هي رحمة تستوجب الشكر والتوبة واستغلال الوقت فيما يرضي الله قبل فوات الأوان.

المصادر: al-Qurtubi (al-Jami li-Ahkam), Ma'arif al-Quran (Mufti Shafi), al-Saadi (Taysir al-Karim), al-Munir (Wahba al-Zuhayli), Ibn al-Jawzi (Zad al-Masir)

تدبّر هذه الآية

تدبّر هذه الآية في Maani من خلال خمس عدسات: اختيار الألفاظ، والسياق، ومعناها في حياتك، وصلتها بآيات القرآن الأخرى، ودروسها، استنادًا إلى كتب التفسير المعتمدة.

تدبّر هذه الآية مع Maani