سورة الحاقة، الآية 41

سُورَةُ الحَاقَّةِ · مكية · الآية 41 من 52

وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍۢ ۚ قَلِيلًۭا مَّا تُؤْمِنُونَ

التفسير الميسر

فلا أقسم بما تبصرون من المرئيات، وما لا تبصرون مما غاب عنكم، إن القرآن لَكَلام الله، يتلوه رسول عظيم الشرف والفضل، وليس بقول شاعر كما تزعمون، قليلا ما تؤمنون، وليس بسجع كسجع الكهان، قليلا ما يكون منكم تذكُّر وتأمُّل للفرق بينهما، ولكنه كلام رب العالمين الذي أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.

التفسير الميسر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.

المعنى والتدبر

العدسة اللغوية

إن هذه الآية الكريمة، "وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍۢ ۚ قَلِيلًۭا مَّا تُؤْمِنُونَ"، تأتي في سياق شديد الأهمية لتؤكد طبيعة القرآن الحقيقية وتفضح إنكار المعاندين. يخاطب الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أولئك الذين ادعوا أن القرآن كلام بشر، وبالأخص وصفوه بأنه شعر، وهو نفيٌ قاطعٌ لاتهاماتهم، وبيانٌ لحال قلوبهم التي لا تستقبل الحق.

نفيٌ قاطعٌ لافتراءاتهم

تبدأ الآية بنفيٍ جازمٍ: "وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ" (wa mā huwa bi qawli sha'ir). حرف الباء الزائد في "بِقَوْلِ" (bi qawli) لا يعني نفيًا عاديًا، بل هو تأكيدٌ شديدٌ للنفي، كأنما يقول: "ليس هذا القرآن، بأي حال من الأحوال، قول شاعر". هذا النفي يأتي مباشرةً بعد أن أقسم الله في الآيات السابقة بأنه "لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ" (la qawlu rasūlin karīm)، أي كلامٌ من الله تبلّغ على لسان رسولٍ عظيم، وليس نتاج خيال بشري أو نظم شعري. يوضح الإمام ابن عاشور أن تخصيص نفي الشعر هنا كان ردًا على ما افتراه المشركون من وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالشاعر، بينما القرآن في نظمه ومعانيه يختلف اختلافًا جذريًا عن الشعر بقواعده المعروفة.

"قليلًا ما تؤمنون": قلة تعني العدم

يلي هذا النفي القاطع قول الله تعالى: "قَلِيلًۭا مَّا تُؤْمِنُونَ" (qalīlan mā tu'minūn). هذا التركيب البلاغي العجيب يحمل في طياته توبيخًا عميقًا. فكلمة "قَلِيلًۭا" (qaliilan) هنا لا تعني أن إيمانهم قليل، بل، كما يذكر الإمام الرازي وابن عاشور، يُقصد بها "لا تؤمنون ألبتة" أو "كاد إيمانكم أن يكون معدومًا". إنه أسلوب عربي مشهور للتعبير عن الانعدام شبه الكلي. و"ما" التي جاءت بعدها هي "ما" الزائدة للتوكيد، لتزيد من قوة هذا المعنى، فتؤكد أن قلّة إيمانهم شديدة حتى كأنها غير موجودة. الربط بين نفي الشعر وقلة الإيمان، كما يشير الإمام الرازي، يعني أنهم لو كانت لديهم نية صادقة للإيمان والتفكر، لأدركوا بسهولة الفرق الشاسع بين بلاغة القرآن ونظمه، وبين أي شعر معروف. ولكن عنادهم وعدم تدبرهم جعلهم يكذبون بأمرٍ واضحٍ للعيان. هذا الخطاب المباشر بـ "تؤمنون" (tu'minūn) يعري حالتهم أمامهم، ويبين أن مشكلتهم ليست في عدم فهمهم، بل في عدم رغبتهم في التصديق والتأمل.

باختصار، هذه الآية تصف القرآن بوضوح بأنه ليس شعرًا، وهو تنزيلٌ من رب العالمين، وتكشف عن عظم جحود المعاندين وقلة إيمانهم، أو انعدامه، من خلال اختيار دقيق للكلمات والتراكيب البلاغية.

المصادر: al-Zamakhshari (al-Kashshaf), al-Razi (Mafatih al-Ghayb), al-Jalalayn, Ibn Ashur (al-Tahrir wa al-Tanwir), al-Jadwal fi I'rab al-Quran (Mahmud Safi)

الموضوعات التي تتناول هذه الآية

تتناول هذه الآيةَ 1 من أدلة الدراسة الموضوعية في Maani (الأدلة باللغة الإنجليزية).

تصفح جميع الموضوعات القرآنية

تدبّر هذه الآية

تدبّر هذه الآية في Maani من خلال خمس عدسات: اختيار الألفاظ، والسياق، ومعناها في حياتك، وصلتها بآيات القرآن الأخرى، ودروسها، استنادًا إلى كتب التفسير المعتمدة.

تدبّر هذه الآية مع Maani