سورة الحاقة، الآية 37
سُورَةُ الحَاقَّةِ · مكية · الآية 37 من 52
لَّا يَأْكُلُهُۥٓ إِلَّا ٱلْخَٰطِـُٔونَ
التفسير الميسر
فليس لهذا الكافر يوم القيامة قريب يدفع عنه العذاب، وليس له طعام إلا مِن صديد أهل النار، لا يأكله إلا المذنبون المصرُّون على الكفر بالله.
التفسير الميسر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.
المعنى والتدبر
العدسة اللغوية
مقدمة: طعام أهل النار
تتحدث الآيات السابقة عن حال الكافر في يوم القيامة، الذي يُعطى كتابه بشماله ويتمنى لو لم يُؤته. يُساق هذا الكافر إلى عذاب شديد، ويُذكر أن ليس له ولي ولا نصير، وليس له طعام إلا من "غسلين" (ghislīn), وهو صديد أهل النار وما يسيل من أجسادهم. ثم تأتي هذه الآية الكريمة، لَّا يَأْكُلُهُۥٓ إِلَّا ٱلْخَٰطِـُٔونَ, لتوضح من هم الذين سيُجبرون على تناول هذا الطعام البشع.
حصريّة العذاب
إن التعبير بـ "لَّا يَأْكُلُهُۥٓ إِلَّا" يحمل دلالة حصرية قوية. هذا التركيب اللغوي يعني أن هذا الطعام المريع, "الغسلين", لا يتناوله أحدٌ على الإطلاق إلا فئةٌ واحدةٌ محددة. إنه ليس طعامًا عامًا لكل المذنبين، بل هو مخصوص لأناس معينين بصفاتٍ محددة، كما سيتبين من الكلمة التالية. هذه الحصريّة في الطعام تُبرز مدى تخصيص وشدة العذاب لمن وصفوا بهذه الصفة، وتؤكد أن هذا المصير ليس اعتباطيًا.
معنى "الخاطِئُون"
الكلمة المحورية في هذه الآية هي "الخاطِئُون". يُفرق علماء اللغة والتفسير بين "الخطأ" و"الخطيئة". فـ "أخطأ" (akhṭa’a) يُستعمل غالبًا لما يكون بغير قصد، أما "خَطِئَ" (khaṭi’a) فيدل على الذنب المتعمد. يوضح الإمام الزمخشري أن "خطئ الرجل إذا تعمد الذنب". وكذلك يقول الإمام الرازي وابن عاشور إن "الخاطِئُون" هم "الآثمون أصحاب الخطايا" والمشركون الذين تعمدوا الذنب الأكبر، وهو الكفر بالله العظيم. واستخدام الألف واللام في "الخاطِئُون" يدل على كمال هذه الصفة فيهم، أي أنهم من بلغوا أقصى درجات الخطأ، وهو الإشراك، كما يذكر ابن عاشور.
دلالة اختيار اللفظ
إن دقة اختيار لفظ "الخاطِئُون" هنا يكشف عن عدل الله سبحانه وتعالى. فالعقاب الشديد بهذا الطعام المقزز ليس لمن زلّت قدمه خطأً أو سهوًا، بل لمن تعمّدوا الخطأ والإشراك بالله، وأصروا عليه. إنه تذكير بأن العواقب الشديدة مخصصة للذنب الذي يُرتكب بإدراك وقصد، ويُصرّ عليه، لا سيما الكفر الذي هو أصل كل خطيئة. هذه الكلمة تؤكد أن هؤلاء الأشخاص هم من اختاروا طريق الضلالة بوعي كامل، ولذلك استحقوا هذا الجزاء الذي يتناسب تمامًا مع عظَم ذنبهم.
المصادر: al-Zamakhshari (al-Kashshaf), al-Razi (Mafatih al-Ghayb), al-Jalalayn, Ibn Ashur (al-Tahrir wa al-Tanwir), al-Jadwal fi I'rab al-Quran (Mahmud Safi)
الموضوعات التي تتناول هذه الآية
تتناول هذه الآيةَ 2 من أدلة الدراسة الموضوعية في Maani (الأدلة باللغة الإنجليزية).
تدبّر هذه الآية
تدبّر هذه الآية في Maani من خلال خمس عدسات: اختيار الألفاظ، والسياق، ومعناها في حياتك، وصلتها بآيات القرآن الأخرى، ودروسها، استنادًا إلى كتب التفسير المعتمدة.