سورة يس، الآية 62
سُورَةُ يسٓ · مكية · الآية 62 من 83
وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّۭا كَثِيرًا ۖ أَفَلَمْ تَكُونُوا۟ تَعْقِلُونَ
التفسير الميسر
ولقد أضلَّ الشيطان عن الحق منكم خلقًا كثيرًا، أفما كان لكم عقل -أيها المشركون- ينهاكم عن اتباعه؟
التفسير الميسر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.
المعنى والتدبر
العدسة اللغوية
في هذه الآية الكريمة، يوجه الله سبحانه وتعالى خطابًا شديدًا يلام على تقصيرنا في استخدام عقولنا أمام مكائد الشيطان، وذلك بعد أن بيّن لنا عداوته الواضحة. دعونا نتأمل في كلماتها لنستشعر عمق الرسالة.
معنى "جبلاً كثيرًا"
تبدأ الآية بقوله تعالى: `وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّۭا كَثِيرًا`. كلمة `جِبِلًّا` (`jibillan`) هنا لافتة للنظر في دلالتها وقراءاتها المتعددة، كما ذكر الإمام الزمخشري والإمام الرازي والجلالين. يشرح الإمام الرازي أن حروف الجيم والباء واللام لا تخلو من معنى `الاجتماع`، وأن `الجِبِلّ` تعني `الخَلْق الكثير` أو `الجمع العظيم`. إن اختيار هذه الكلمة، بدلاً من مجرد "أناس كثيرين"، يشدد على الحجم الهائل من البشر الذين انقادوا لوسوسة الشيطان وابتعدوا عن طريق الحق. إنه ليس مجرد عدد قليل، بل هو حشد عظيم، أمة بعد أمة، جيل بعد جيل، وقعوا في شَرَك الضلال. هذا التعبير يحمل في طياته توبيخًا عميقًا لحال البشرية وتوبيخًا للمخاطبين على وجه الخصوص.
قوة السؤال الاستنكاري "أفلم تكونوا تعقلون؟"
تتوج الآية بسؤال استنكاري قوي: `أَفَلَمْ تَكُونُوا۟ تَعْقِلُونَ`. هذا ليس سؤالًا عن مجرد نقص في الفهم اللحظي، بل هو استنكار لغياب العقل أو عدم استخدامه بشكل دائم ومستمر. يوضح ابن عاشور أن الاستفهام هنا `إنكاري`، أي توبيخي، عن عدم كونهم يدركون. استخدام فعل `تكونوا` (`takūnū`) الذي يدل على الاستمرار والثبات، قبل `تعقلون` (`ta'qilūn`)، يشير إلى أن العقل لم يتكون فيهم أصلًا بشكل يمنعهم من هذا الضلال، أو أنهم لم يكونوا يمتلكون هذه القدرة على التعقل في الأساس، أو أنهم لم يفعلوها. وكأن الله يقول: "ألم تمتلكوا العقل الكافي لتفكروا وتدركوا عدواة الشيطان الواضحة، والتي ثبتت بالتجربة عبر العصور؟" هذا التساؤل الرباني يدفعنا لنتوقف ونتأمل: هل نستعمل العقل الذي وهبنا الله إياه في تدبر عواقب أفعالنا، أم نتبع الأهواء والوساوس دون تفكير؟ إن الآية تذكير لنا بأن النجاة من الضلال تكمن في تفعيل هذه النعمة العظيمة، العقل، والتفكر في طبيعة عدونا المبين.
المصادر: al-Zamakhshari (al-Kashshaf), al-Razi (Mafatih al-Ghayb), al-Jalalayn, al-Jadwal fi I'rab al-Quran (Mahmud Safi), Ibn Ashur (al-Tahrir wa al-Tanwir)
الموضوعات التي تتناول هذه الآية
تتناول هذه الآيةَ 2 من أدلة الدراسة الموضوعية في Maani (الأدلة باللغة الإنجليزية).
تدبّر هذه الآية
تدبّر هذه الآية في Maani من خلال خمس عدسات: اختيار الألفاظ، والسياق، ومعناها في حياتك، وصلتها بآيات القرآن الأخرى، ودروسها، استنادًا إلى كتب التفسير المعتمدة.