سورة يس، الآية 42
سُورَةُ يسٓ · مكية · الآية 42 من 83
وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِۦ مَا يَرْكَبُونَ
التفسير الميسر
وخلقنا لهؤلاء المشركين وغيرهم مثل سفينة نوح من السفن وغيرها من المراكب التي يركبونها وتبلِّغهم أوطانهم.
التفسير الميسر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.
المعنى والتدبر
حكمة
معنى الآية
تتحدث هذه الآية الكريمة، وهي قول الله سبحانه وتعالى: "وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِۦ مَا يَرْكَبُونَ"، عن جانب عظيم من نِعم الله على بني آدم. يخاطب الله تعالى بها الناس جميعاً، مؤمنين وغير مؤمنين، مذكراً بقدرته ورحمته. تأتي هذه الآية في سياق ذكر آيات الله في الكون وتسخيره لمنافع الخلق، وهي متصلة بالآية التي قبلها والتي تتحدث عن حمل ذرية الناس في الفلك المشحون (أي السفينة الممتلئة، وهي سفينة نوح عليه السلام). فالآية هنا تؤكد أن الله لم يقتصر فضله على نجاة آبائهم في السفينة، بل استمر في خلق وتوفير وسائل الركوب والتنقل لهم على مر العصور.
آية عظيمة لكل زمان
إن كلمة "مِّن مِّثْلِهِۦ" (mim mithlihi) تحمل دلالة واسعة وعميقة. فقد اختلف المفسرون في المقصود بها، لكن هذا الاختلاف نفسه يفتح أبواباً للفهم تتجاوز الزمان والمكان.
ذكر بعض المفسرين كالإمام القرطبي وابن الجوزي أن "مثله" قد تشير إلى الإبل، التي كانت "سفن البر" للعرب، تُستخدم للتنقل وحمل الأثقال عبر الصحاري، كما تُستخدم السفن في البحر. وهذا توسيع لمفهوم الركوب ليشمل البر والبحر.
وقال آخرون، وهذا ما يميل إليه كثير من المفسرين المعاصرين، أن "مثله" تشمل أنواعاً أخرى من السفن المشابهة لسفينة نوح، والتي استمر الناس في صناعتها واستخدامها. الأجمل من ذلك، أن تفسير المعاصرين مثل الشيخ محمد شفيع العثماني (صاحب "معارف القرآن") ووهبة الزحيلي (صاحب "التفسير المنير") يرون أن هذا التعبير قد يكون إشارة قرآنية جامعة تشمل كل ما يستحدثه الناس من وسائل نقل على مر العصور، كالسيارات والقطارات والطائرات. فالقرآن، بلغته المعجزة، ترك اللفظ عاماً ليشمل كل ما يركبون، سواء ما عُرف في عصر النزول أو ما سيُخترع إلى قيام الساعة. وهذا دليل على شمولية القرآن الكريم وعالميته.
دروس وعبر
الدرس الأسمى من هذه الآية هو التعرف على عظيم قدرة الله وواسع رحمته وعنايته بخلقه. فالله سبحانه وتعالى هو الذي سخر للإنسان كل ما يحتاجه للتنقل والتيسير على نفسه، سواء كانت مخلوقات طبيعية كالإبل، أو مواد طبيعية كالأخشاب والمعادن التي يصنع منها الإنسان مركباته. هذا التيسير والتسخير المستمر يستدعي منا الشكر الدائم لله تعالى.
فكلما ركب الإنسان وسيلة مواصلات، سواء كانت سفينة أو طائرة أو سيارة، فليتذكر أن هذه نعمة من الله لم يكن ليبلغها الإنسان بقوته وحده، بل بتسخير الله وتيسيره. هذا الشعور يعزز في القلب التواضع والاعتراف بفضل الله، ويدفع إلى استخدام هذه النعم فيما يرضيه، ويذكر أن كل حركة وسكون إنما هي بتقديره سبحانه. إنها دعوة للتأمل في مظاهر الحياة اليومية ورؤيتها كآيات دالة على الخالق العظيم.
المصادر: al-Qurtubi (al-Jami li-Ahkam), Ma'arif al-Quran (Mufti Shafi), al-Saadi (Taysir al-Karim), al-Munir (Wahba al-Zuhayli), Ibn al-Jawzi (Zad al-Masir)
تدبّر هذه الآية
تدبّر هذه الآية في Maani من خلال خمس عدسات: اختيار الألفاظ، والسياق، ومعناها في حياتك، وصلتها بآيات القرآن الأخرى، ودروسها، استنادًا إلى كتب التفسير المعتمدة.