سورة النحل، الآية 95

سُورَةُ النَّحۡلِ · مكية · الآية 95 من 128

وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَنًۭا قَلِيلًا ۚ إِنَّمَا عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ

التفسير الميسر

ولا تنقضوا عهد الله; لتستبدلوا مكانه عرضًا قليلا من متاع الدنيا، إن ما عند الله من الثواب على الوفاء أفضل لكم من هذا الثمن القليل، إن كنتم من أهل العلم، فتدبَّروا الفرق بين خيْرَي الدنيا والآخرة.

التفسير الميسر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.

المعنى والتدبر

العدسة اللغوية

أختي الكريمة وأخي الكريم، لنتأمل معًا هذه الآية العظيمة من كتاب ربنا، بقلوب خاشعة وعقول متفتحة، طالبين الهداية والتأثر.

من يخاطب الله هنا؟ وما هو سياق الآية؟

يخاطبنا الله تعالى في هذه الآية، والخطاب موجه للمؤمنين الذين دخلوا في عهده. السياق, كما ذكر المفسرون، يشمل أولئك الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم بالإسلام، وربما واجهوا صعوبات أو وعودًا دنيوية من أعداء الإسلام تدفعهم لنقض عهودهم. فالآية تحذير من نقض العهد مع الله ورسوله، وتوجيه إلى ما هو خير وأبقى.

"لا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا"

تُفتتح الآية بنهي واضح: `ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا` (wa laa tashtaroo bi 'ahdillahi thamanan qaleela). كلمة `تشتروا` (tashtaroo) هنا لا تعني الشراء بالمعنى المعتاد، بل تعني "تستبدلوا" أو "تبيعوا" شيئًا بشيء آخر. تخيّل أنك تملك شيئًا نفيسًا جدًا، ثم يُعرض عليك مقابل مادي زهيد لتتخلى عنه. فالله ينهانا عن استبدال عهدنا معه، وهو أغلى ما نملك، بأي مكاسب دنيوية.

يصف الله هذه المكاسب بـ `ثمنا قليلا` (thamanan qaleela)، أي "ثمن قليل". وقد شدد الإمام ابن عاشور على أن وصف "قليل" هنا ليس مقيدًا، بل هو وصف كاشف وحقيقي. أي أن أي عوض دنيوي مقابل عهد الله، مهما عظم في أعين الناس، هو في حقيقته قليل وضئيل لأنه زائل وفانٍ. الإمام الرازي يوضح أن هذا يشمل "عرض الدنيا وإن كان كثيرًا". فالله بكلمته هذه يرفع من قيمة عهده، ويُظهر ضآلة كل ما سواه.

"إنما عند الله هو خير لكم"

يأتي التعليل بعد النهي مباشرةً: `إنما عند الله هو خير لكم` (innama 'indallahi huwa khayrun lakum). استخدام أداة الحصر `إنما` (innama) يؤكد أن *فقط* ما عند الله هو الخير الحقيقي والأفضل لنا. وهذا الخير يشمل الجزاء في الدنيا والآخرة، كما بين الإمام ابن عاشور. فما يدخره الله للمؤمنين من ثواب في الدنيا والآخرة هو الذي يستحق السعي إليه.

"إن كنتم تعلمون"

تُختتم الآية بعبارة عميقة: `إن كنتم تعلمون` (in kuntum ta'lamoon - إن كنتم تعلمون حقيقة الأشياء). هذا ليس مجرد شرط، بل هو حثّ ودعوة للتأمل والتفكر. لو أننا أدركنا بعمق وعلم يقين الفرق الشاسع بين العوض الفاني والقليل في الدنيا، وما بين الخير الباقي العظيم عند الله، لما ترددنا لحظة في اختيار ما عند الله. إنه دعوة لنا لنوقظ بصيرتنا وننظر إلى عواقب الأمور الحقيقية.

هذا المعنى يتجلى أكثر في الآية التالية مباشرة (النحل: 96) التي تتصل بها هذه الآية اتصالًا وثيقًا: `ما عندكم ينفد وما عند الله باقٍ` (maa 'indakum yanfad wa maa 'indallahi baaq - ما عندكم ينفد وما عند الله باق). هذه الجملة تذكرة واضحة بأن كل ما نملكه في الدنيا زائل وفانٍ، أما ما عند الله فهو دائم وباقٍ لا ينتهي. وهذا هو البرهان القاطع، كما أشار الإمام الرازي، الذي يوضح لماذا "ما عند الله خير لنا".

فالقرآن بكلماته المنتقاة بعناية، يدعونا لنزن الأمور بميزان الآخرة، وأن ندرك أن أي تنازل عن عهد الله من أجل الدنيا، هو صفقة خاسرة، مهما بدا المكسب الدنيوي كبيرًا.
Source: al-Muyassar, al-Zamakhshari, Ibn Ashur, al-Jalalayn, al-Jadwal fi I'rab al-Quran, al-Razi

المصادر: al-Zamakhshari (al-Kashshaf), Ibn Ashur (al-Tahrir wa al-Tanwir), al-Jalalayn, al-Jadwal fi I'rab al-Quran (Mahmud Safi), al-Razi (Mafatih al-Ghayb)

الموضوعات التي تتناول هذه الآية

تتناول هذه الآيةَ 2 من أدلة الدراسة الموضوعية في Maani (الأدلة باللغة الإنجليزية).

تصفح جميع الموضوعات القرآنية

تدبّر هذه الآية

تدبّر هذه الآية في Maani من خلال خمس عدسات: اختيار الألفاظ، والسياق، ومعناها في حياتك، وصلتها بآيات القرآن الأخرى، ودروسها، استنادًا إلى كتب التفسير المعتمدة.

تدبّر هذه الآية مع Maani